Loading...

اخبار

أبو بكر سالم بلفقيه، اليمني

كتب : الإثنين 11-07-2016 07:22
أبو بكر سالم

أبو بكر سالم بلفقيه، اليمني …
فارع المسلمي

في العام 1968، حصل أبو بكر سالم بلفقيه وعبد الحليم حافظ من الفنانين العرب على جائزة “الكاسيت الذهبي”. حصل عليها بلفقيه عندما تجاوزت مبيعات الشركة الموزعة مليون نسخة من ألبومه (“متى أنا شوفك”).

 

قبل أشهر على ذلك، احتفل الفنان محمد عبده بتجاوز مبيعات ألبومه الجديد (“الرمش الطويل”) 30 ألف نسخة. تقدّم هذه المعلومة رؤية مقرّبة لحجم الفنان أبو بكر سالم بلفقيه قبل قرابة خمسة عقود من الآن، وهو لا زال يشكل إحدى ذرى الفن العربي التي لم يصلْ كثيرون إلى سفحها.

 

وبعد ستين عاماً من انطلاقته الفنية في مدينة عدن (1956)، لم يزل يقدّم جديداً في كل ألبوم يصدره، على الرغم من شائعات الموت التي تلاحقه منذ سنوات، خاصة بعد دخوله في غيبوبة طويلة وعلاجه في أحد المستشفيات الألمانية.

التصوّف

يقترب بلفقيه من الثمانين، وقد ولد في مدينة تريم التي اختارتها “المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة” (الإيسيسكو) عاصمة للثقافة الإسلامية (في 2010)، وعاش هناك حتى تخرّج من معهد إعداد المعلمين وعمل معلماً للغة العربية لثلاث سنوات. وكان تفوّقه اللغوي إحدى ملكاته التي أثْرت مسيرته الفنية فجمع بين كونه شاعراً أصدر ديواناً يتيماً أسماه “شاعر قبل الطرب”، وملحّناً وفناناً، إضافة إلى كونه موزّعاً موسيقياً محترفاً، ما جعل منه موسوعة فنية متكاملة لا ينقصها غير الجمهور وفرقة العزف. هذه القدرات لم تتوفّر مجتمعة لأحد كما توفرت له، مرتكزة على حنجرة فريدة من نوعها على مستوى العالم حسب تصنيفات حصل بموجبها على تكريم منظمة اليونسكو.
“يا ورد ما أحلى جمالك”، أغنية عمرها ستون عاماً، من كلمات الشاعر لطفي جعفر أمان وألحان وغناء أبو بكر سالم بلفقيه، بثتها إذاعة عدن عام 1956 (غنّاها لاحقاً الراحل الكبير طلال المداح)، مبشّرة بموهبة فنية ستحقق المفاجآت مستقبلاً. وصدّق التنبؤ، إذ ليس عادياً أن شاباً لم يتجاوز الـ18 من عمره يمتلك الجرأة على تقديم أغنية له من كلماته وألحانه وأدائه عبر إذاعة عدن. هذا استثناء حقيقي يصعب القياس عليه أو تكراره في زمن قصير. لكن كل ذلك لم يكن مفاجئاً أو جديداً تماماً، فقد مارس بلفقيه قبلها الإنشاد الديني في تريم التي تغنّى بها كثيراً، فهو من أسرة صوفية تترنّم بالمدائح النبوية، وتكرِّم العلم وتحرص على توارثه بين أجيالها ، ونجاح الحضارم في التعليم و التجارة والهجرة يجعل منهم نسخة اليمنيين الأقدم من اللبنانيين في المجالات تلك. أبو بكر بن شهاب، جده العالِم الديني الكبير في حضرموت منحه اسمه، وقبل سنوات فاجأ أبو بكر جمهوره بأداء إحدى القصائد الصوفية لجده وهي قصيدة “الرشفات”. وتريم مدينة ضاربة في عمق الصوفية والإنشاد.

لم يستمرّ بقاؤه في عدن عاصمة الفن اليمني أكثر من عامين حينها، فقد غادرها عام 1958 إلى بيروت عاصمة الفن العربي. قدمت له عدن الكثير، فقد عرّفته إلى أعمدة الفن والشعر هناك، وأبرزهم أبو بكر المحضار الذي شكل معه ثنائياً جباراً لنصف قرن، فكتب له كلمات أكثر أغانيه وبديع ألحانه التي جعلت من بلفقيه ملكاً متوجاً على عرش “الدان” الحضرمي. وأصبح هذا الفن بدوره يؤدَّى في بلدان الخليج العربي من أغلب الفنانين الخليجيين الكبار، فقد نقله بلفقيه من طابعه المحلي إلى الإقليمي محافظاً على كل ما يحمله من لذة وتاريخ وجمال.

بيروت

سجلت استوديوهات بيروت أغاني بلفقيه التي نقلته إلى العالم العربي بقوة خلال سنوات قليلة، ليتصدر فناني العالم العربي إلى جانب العندليب الأسمر ويحصل على جائزة الكاسيت الذهبي بعد عشر سنوات فقط من وصوله إليها. إلّا أن بيروت لم تعُد مكاناً مناسباً للحياة، ناهيك عن الفن، منذ 1975، حينما اندلعت الحرب الأهلية حينها، فغادرها ليتنقل بين العواصم العربية الأخرى، وخاصة الكويت والرياض والقاهرة ودبي. لقد فرّ بلفقيه مرتين من عواصم الحروب، أولها عندما عاد إلى عدن إبان أحداث الاستقلال (1967) إذ كان يتنقل بينها وبين بيروت، وقد غنّى إثر مغادرته الإجبارية لعدن أغنيته الشهيرة “يا طائرة طيري على بندر عدن” و “كل شي معقول إلا فراقك يا عدن”. أما الثانية فمن بيروت (الروشة) حيث أقام لسنوات طويلة، ليستقر في جدة ويحصل على الجنسية السعودية، ويقدّم عدداً من الأغاني الوطنية لبلده الجديد دون أن يغادر هويته وأغنيته اليمنية التي كرس حضورها كلما ابتعد عنها جغرافياً.

“أمي اليمن”

لا تزال هذه الأغنية إحدى أبرز الأغاني الوطنية اليمنية، فقد غناها قبل إعادة الوحدة بين الشطرين اليمنيين (1990)، وعاد إلى اليمن لإحياء أهم الاحتفالات التي أقيمت بمناسبة اختيار صنعاء عاصمة للثقافة العربية (2004). وقد كرّمته الحكومة اليمنية أكثر من مرة كسفير فني جسّد العبقرية، وقام كثير من فناني الخليج كعبد الله الرويشد وطلال المداح وعبد المجيد عبد الله بالغناء له، ويعتبره الرويشد أباً روحياً وأدّى معه دويتو شهير بداية التسعينيات من القرن الفائت، وهي الفترة نفسها التي تعاون فيها مع وردة الجزائرية.

 

خارج الخليج، غنّت له الراحلة وردة الجزائرية وذِكرى ونجاح سلام. لكن الفنانين العرب خارج الخليج يظهرون جهلاً كبيراً بالتراث اليمني وثرائه ومكانته. فعندما قام الفنان اللبناني راغب علامة بأداء أغنية بلفقيه التي كتبها المحضار “سر حبي فيك غامض”، نسبها لتراث الجزيرة العربية. وهذه إحدى نتائج ضعف الحضور الإعلامي اليمني سواء للتعريف بالفن اليمني أو للدفاع عنه. فهل كان سيجرؤ علامة على نسب أغنية لعبد الحليم حافظ وألحان محمد عبد الوهاب للتراث مثلا، هكذا بشكل عام ناهيك بنسبتها لذاك الخليجي؟

حواجز العبقرية

تتشابه حواجز انتشار عبقريتين يمنيتين في القرن العشرين إلى المدى الذي تستحقه، فصعوبة اللغة الشعرية للبردوني مثلاً، جعلت ترجمته للغات العالمية مهمة لم يجرؤ أحد على التصدي لها حتى اللحظة، إلا لبعض القصائد البسيطة والمباشرة. والطبقات الصوتية النادرة لبلفقيه جعلت من أداء أغلب أغانيه مهمة شاقة وغاية في الصعوبة، إلا إذا تمّ الاكتفاء منها باللحن والكلمات واعتبار طبقة الصوت قضية فردية، وهو ما يجري كل مرة. فقد كرّمته اليونسكو عام 1978 كأفضل صوت في العالم من حيث الطبقات المتعددة.

 

وفي 1983، غنى في قاعة ألبرت هول في لندن بما يحمله ذلك من معنى في العالم الفني، ومطلع الألفية حصل على جائزة أوسكار الأغنية العربية، ولقب “فنان القرن” من جامعة الدول العربية، بمناسبة مرور 50 عاماً من عطائه الفني. وبعد مرور خمسين عاماً على وصوله بيروت للمرة الأولى، كرّمه لبنان بتلك المناسبة (2008). ولربما أسعده ذلك أكثر من مناسبات كثيرة كرِّم فيها لاعتبارات تعود لعلاقته بالبلد الذي وفر له عوامل الانطلاقة الأكبر في مسيرته الفنية الطويلة.
إن الميزة التي حافظت على استمرار أداء بلفقيه كل هذه العقود، وبقوة، هي أن طبقات صوته لم تتراجع بل تحولت واختلفت قليلاً في حدتها.. حتى أصبحت أكثر دفئاً. يظهر ذلك بوضوح حين تسمع أغنيته “يا ورد” (1956)، ثم تنتقل لألبومه الأخير “الديار” الذي أصدره العام الماضي (2015). صدر “الديار” بكلمات وألحان يغلب عليها حنين رجل في السادسة والسبعين إلى الحضن الذي استقبله عند قدومه الأول، بل وحنين العائد من الموت إلى الحياة بعد مروره بأشهر من المرض:
“ساكني ذيك الديار // لا الليل ذا ليلي.. ولا نهاري نهار // هل حالكم مثلي.. في بعدكم يا أهلي// أنا رضيت اللي.. مقدّر لي وصار// واللقاء والبعد بيد الله.. ولا بيدي اختيار”.
لكن الأداء والألحان ونبرة الصوت الدافئة المستقيمة لم تتزحزح قيد أنملة عن ذروة ارتقاها منذ عقود ولما يزل، وهو أمر مثَّل صعوبة غير عادية لأغلب الفنانين بعد وصولهم قمّة أداء معينة ثم يبدأ تراجعهم بعدها، ليظهر غيرهم. ذلك لأن بلفقيه ليس مجرد فنان كالآخرين، بل مدرسة فنية مستقلة وفريدة جعلت الدان الحضرمي حاضراً في كل مدينة خليجية بشكل لا يقلّ عن حضرموت ذاتها.
أبو بكر سالم بلفقيه شاباً

ومع أن المدرسة الصنعانية للغناء إحدى أصعب وأعقد مدارس الفن اليمني، إلا أن أبو بكر سالم بلفقيه اقتحمها بقوة، بينما كانت مغلقة على فناني صنعاء وما حولها، فأبدع في أداء الفن الصنعاني بقصائده “الحمينية” البديعة، كقصيدة الآنسي (“وامغرد بوادي الدور”)، أو (“أحبة ربي صنعاء”) التي أدّاها وكثير غيرها بنفسه وروحه. كما أدخل لأول مرة التوزيع الموسيقي الحديث على الأغنية الصنعانية، بعد أن نقل الدان الحضرمي إلى وضعه اليوم، أي أن تجديده الفني متعدّد كملكاته ومهاراته الموسوعية في المجال الفني.
تنقُل بلفقيه الدائم خلق لديه الحنين والتنوّع، فحضرموت وهبته إرثها اليماني العظيم الذي لا ينضب، وحبّ أسرته للفن والعلم. أما عدن فوهبته الجمهور الأول عبر أثير إذاعتها التي كانت أول إذاعة في الجزيرة العربية. بيروت نقلته إلى الجمهور العربي بفترة قياسية وصعد إلى القمة ولم يهبط حتى بعد مغادرته. دول الخليج منحته جمهوراً نوعياً بحكم تقارب الفن اليمني مع الفن الخليجي في بعض أشكاله، كما كان الإعلام الخليجي أيضاً سنداً للرجل، خاصة بعد مغادرته بيروت.
لكن كل ذلك لم يكن ليمنح بلفقيه حنجرته الذهبية، ولم يكن ليرهف أذنيه لاختيار أبهى الألحان، ولا لغته لاختيار أنقى الكلمات، ولا ذائقته لتوزيع موسيقى أغانيه بشكل يتناسب مع الكلمة واللحن وتموجات صوته.
فاجأ الرجل جمهوره (بكل أعماره) بألبوم جديد وكأنه وداعه الأخير بما يحمله من حنين. فهو يقيم حالياً في الخليج الذي قضى فيه جل عمره، لكن “الديار” يشي أن أبو بكر يحن لسيئون وتريم حيث أهدته السماء للأرض قبل 78 عاماً.. تلك الديار التي أهدت العالم أبو بكر، وقبل ذلك ألقي فيها أول موشّح ديني في حب الرسول.
يروي علماء الانثروبولجيا الغربيين عن قدماء الحضارم الذين امتهنوا التجارة منذ الاف السنين، ونشروا الاسلام حول العالم، أنهم يوصون بنقل رفاتهم بعد وفاتهم الى حضرموت ودفنهم فيها حتى وإن كانوا لم يعودوا اليها منذ خروجهم منها ، كحقيقة تاريخية واجتماعية عريقة تكشف عن تمسك اليمنيين بأرضهم وتاريخهم. فهل “الديار” هو فقط طريقة فنان في كتابة وصيته الأخيرة والقديمة قدم أجداده؟ أم هي احتجاج على استحالة ذلك حاليا منذ اعوام، مع غرق “اليمن السعيد” في الفوضى، التي جعلت “مركز بلفقيه الثقافي” بالمكلا مقرا لمحكمة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب طيلة العام الماضي؟
.. بغض النظر، فإنّ من يسمع أبو بكر أو يسمع له فهو لا يسمع فنانا استثنائيا أو مدرسة فنية فحسب، بل يسمع مثقفا عميقا وذكيا، باستثناء أنه غير ممل، ويقول أهم وأجمل الأشياء والأحاسيس عبر الفن الأنيق والحنجرة الدائمة.

 

عن السفير العربي

 

التعليقات

التعليقات مغلقة.