Loading...

أسير الجغرافيا لا يدخل التاريخ

كتب : صلاح السقلدي الأحد 25-12-2016 09:23

أسير الجغرافيا لا يدخل التاريخ
صلاح السقلدي
الأساس الذي تُبنى عليه المؤسسات الأمنية والعسكرية بالجنوب يبعث عن الريبة وينطوي على كثير من المخاطر على الجنوب حاضرا ومستقبلاً, كما يمثل وصمة عار واضحة بجبين كل من يساهم به ويصمت عنه ويبرره .

فمن أقصى الشرق بمحافظة حضرموت -وربما- المهرة الى اقصى الغرب بمحافظة لحج يتم تأسيس وحدات عسكرية وأمنية جنوبية بصبغة وقسمة جغرافية ضيقتين, بإشراف السلطة اليمنية المسماة بالشرعية وبدعم مالي ومادي وسياسي من قبل دول التحالف العربي وبأيادٍ جنوبية للأسف, والغرض واضح وجليّ لا يمكن لكل من يمتلك بصر ولا نقول بصر وبصيرة معاً أن يكتشفه, كون الأمور تتم بكل وضوح وعيني عينك, والقرش يلعب بحمران العيون والدقون.مع استثناء أولئك الذين ينخرطون بهكذا فعل بحُسن نية ونقاء سريرة ومن غير دراية ولا ادراك بسوء القادم.

فتأسيس لواء عسكري من منطقة واحدة, أو إنشاء قوة أمنية خاصة من محافظة منفردة أو استئثار منطقة دون غيرها على دائرة أمنية أو عسكرية تحت مسميات مختلفة من قوة حزام الى قوة نخبة, الى لواء فلان, وقوات أمن خاص ومشترك, الى دائرة كذا وهيئة كذا, وكتائب زعطان وفلتان الجهادية .

كل هذا العبث وغيره يتم والجميع – إلا من رحم ربي- مبهورين بما يجري و يتسابقون على الانتساب الى هذه القوة الأمنية او ذلك اللواء التابع للعميد فلان وإخوانه, أو الى تلك الكتيبة الخاصة أو الى ذلك الجهاز الأمني- العسكري التابع لقبيلة العرب الأوائل ومرابع العشيرة الباسلة.

فهذا التفخيخ الناعم الذي يتم فيه تلغيم حاضر الجنوب ومستقبله يجب أن يتم رفضه والتصدي له من قِـبل كل وطني يتمتع بأدنى درجات الحرص والشعور بالمسئولة التاريخية والاخلاقية, وإلا فليتهيأ الكل لذلك الانفجار القادم الذي لن يكون صنيعة ولا هدفاً ينشده الجندي والضابط الجنوبي ((الذين هما بكل الأحوال ضحية ومجني عليهما )) بل سيتم حينها – لا قدر الله- بضغطة زر ريموت كونترول هو بحوزة قوى سياسية وحزبية وفكرية مذهبية بائسة لا تريد للجنوب أن يتلمّس طريقه نحو مستقبل آمن مستقر يطوي كل صفحات سفر العناء والأوجاع الى الأبد.

لقد ظل الجنوبيون وما زالوا يتفاخروا بأنه كان لهم ذات يوم مؤسستين عسكرية وأمنية وطنيتين لا يدينان بالولاء لقبيلة أو منطقة أو عائلة أو طائفة بقدر ما كان ولائهما للوطن فقط, ويتباهون وما زالوا بأنه حتى في ذروة صراعاتهم السياسية السابقة كان الجيش الجنوبي يعود ادراجه الى ثكناته و بمجرد ان يحسم الأمور يسلم مقاليدها لجهات مدنية سياسية خالصة, بصرف النظر عن طبيعة تلك الصراعات من الناحية السياسية التي يختلف ويتفق حول اسبابها ونتائجها الكثيرون.

من المؤسف أن تكون الأسباب التي اقصت الجنوب بعد عام 94م والمتمثلة باستئثار طرف على طرف – الشمال على الجنوب- واستحواذ منطقة جغرافية صغيرة على معظم وأهم مفاصل الدولة المدنية والعسكرية والأمنية والجيش –سنحان مثلاً- يتم التأسيس لنسخة منها بالجنوب اليوم بأيادٍ قوى وشخصيات ورموز جنوبية لطالما جأرت بالشكوى منذ عقدين من الزمن من ظلم ذلك الاستحواذ الشمالي المستبد واقامت بوجهه ثورة شعبية عارمة.

(لا تنه عن خلق وتأتى بمثله × عار عليك إذا فعلت عظيم).

الجنوب وحتى الشمال اليمني أو بالأصح القوى الوطنية مجبولة ومفعمة بفكر الوحدة ولمُّ الشمل ولم تكن يوما ميّالة الى الفرقة وتمزيق الممزق, فحتى حين يقول الجنوبيون اليوم انهم يسعون الى استعادة دولتهم المسلوبة منذ عام 94م فلم يكن ذلك منطلقاً من فلسفة وقناعة انفصالية بقدر ما هو فعل الضرورة وحيلة المضطر الذي وجد نفسه أمام شريك وحدوي لا يعرف لمعاني الوحدة والشراكة غير معنى النهب وهوس التسلط والاستحواذ الواقع تحت غبار أكذوبة التابع والمتبوع ونقع خرافة الأصل والفرع. وبالتالي فالانفصال يجب أن يكون أولاً عن الثقافة المنفرة والسلوك المسكون بالأنانية والذاتية المتوحشة. فمن المعيب أن يتدحرج فكرنا الى مستوى الاضمحلال والتلاشي بسماء المصالح الشخصية الزائلة, والتمترس خلف سور الجغرافيا المائل, والانزواء داخل محارة القبيلة وقوقعة المنطقة. فمنطق التجارب تقول ان من يبحر الى المستقبل بمجاديف مطاطية بلاستيكية مصيره الضياع والغرق. تماماً كالذي يدخل التاريخ مَــن يظل اسيرا للجغرافيا. والانفصال الأجدر والأولى يجب أن يكون عن الثقافة المدمرة والسلوك المنفر قبل الانفصال السياسي أو بالتوازي معه على الأقل. ويذوب الكل في الكل من أجل الكل بعيد عن الفرز الجغرافي والتصنيف الحزبي والفكري المتكلس.

 

التعليقات

التعليقات مغلقة.