Loading...

إبـراهيم بن علي الوزيـر .. المفكر الإنسان

كتب : الإثنين 07-07-2014 01:49
عبد الله صبري

إبـراهيم بن علي الوزيـر .. المفكر الإنسان
عبد الله علي صبري

نحن بين يدي شخصية يمانية سليلة أسرة حملت طوال ثمانية قرون متصلة أمانة العلم، ومسئولية الدعوة، وقدمت للفكر الإسلامي إضافات يعتز بها، فضلاً عن أنها ترتبط بمذهب إسلامي، لم ينل ما هو جدير به من الاهتمام.

من أعلام هذه الأسرة محمد بن إبراهيم الوزير الذي ولد في رجب عام ( 775هـ) وتوفي عام ( 840هـ) وهو صاحب ” العواصم والقواصم” الكتاب الذي قرب به بين الزيدية والسنة، ورد فيه على الذين تحاملوا على الصحابة والمحدثين في رفق و موضوعية.

ووالده الأمير الشهيد علي بن عبد الله الوزير، أحد رجالات اليمن وعظمائها، عرف بالمروءة والشمم، وحماية أحرار الفكر، مثل العلامة الشهيد أحمد المطاع، و أبو الأحرار اليمنيين الشهيد محمد محمود الزبيري.

إبراهيم بن علي الوزير يصدق عليه القول بأنه المفكر السياسي، والفقيه الداعية، و الإسلامي الإنسان، فله باع في مجالات شتى، عاش شبابه بين السجن والتشريد، في داخل الوطن كما في الشتات، ومنذ نعومة أظافره وهو يعمل وفقاً لتفكيره اليقظ باتجاه تخليص وطنه من براثن الظلم والاستبداد، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري.

إثر فشل الثورة الدستورية عام 1948، وجد إبراهيم الوزير نفسه وإخوانه أمام حقائق مفجعة، إذ أعدم الإمام أحمد يحيى حميد الدين، والدهم الأمير علي بن عبد الله الوزير، وقضى أخوهم الأكبر مشرداً في أنحاء المعمورة، وقتل خمسة من أعمامهم، ثم زج به وببعض أخوانه السجن إلى أن تمكن من الفرار إلى جمهورية مصر العربية.

وسط هذه المحن التي بلغت ذروتها بهدم بيت العائلة في ” بني حشيش بمحافظة صنعاء” ومصادرة أموال الأسرة، لم يجد إبراهيم وإخوانه سوى يد أمه الحانية، التي سجل مآثرها في كتاب خاص بعنوان ( أم في غمار ثورة ).

يقول الوزير عن أمه:

كانت رضوان الله عليها امرأة لا يجود بمثلها الزمان، يعترف لها الأصدقاء والأعداء بحنوها و فضلها وكفاءتها وشجاعتها وكرمها وصبرها وعظمتها، فقد كانت كالشمس لا يستطيع أن يعشى عن نورها إنسان.

لم ينكفئ الوزير على مصائبه، ليبكي على الأطلال، إذ سرعان ما هداه تفكيره إلى تشكيل عصبة الحق والعدالة، ليجد نفسه في زنازن السجن إلى جوار أدباء اليمن وعلمائها وأحرارها، فتلقى العلوم الشرعية والمعارف الأدبية على يد رجال قلما جاد الزمان بمثلهم، بينهم القاضي والرئيس اليمني الأسبق عبد الرحمن الإرياني، وأدباء اليمن أحمد المروني وأحمد محمد الشامي وإبراهيم الحضراني.

ولما استقر الوزير في مصر، وبالرغم من المعاناة التي لازمته في القاهرة، لم يدخر جهداً في سبيل خلاص بلاده، فشكل بمعية ثلة من رموز الحركة الوطنية، اتحاد القوى الشعبية اليمنية، كآلية للنضال السياسي المستند إلى تأييد شعبي يضمن للثورة النجاح والديمومة.

في مصر تعرف الوزير على عدد من أعلام الفكر العربي والإسلامي، كالشهيد سيد قطب، والمفكر الكبير مالك بن نبي، ولا حقاً التقى وأثر وتأثر بـ: جمال البنا، خالد محمد خالد، محمد الغزالي، حسين مؤنس، أحمد بهجت، وغيرهم. وعلى مائدة ” هموم وآمال إسلامية” التقي الوزير بالدكتور مؤنس في حوار مفتوح، طاف بماضي الأمة وحاضرها ليستشرف مستقبلها، فكان إبراهيم بن علي الوزير- كما يقول عنه المؤرخ حسين مؤنس- من أعاظم مفكري هذه الأمة، و من فحول اليمن وأقطابه، فقيه علامة مجتهد في شئون الدين، ومن أعظم علماء ومجتهدي العصر، وهو زاهد في الدنيا وواهب نفسه للحث عما ينفع المسلمين.

بعد قيام ثورة سبتمبر 1962، عاد الوزير إلى اليمن ليعمل مع رفاقه الأحرار في خدمة الوطن والجمهورية، زاهداً في المناصب مترفعاً عنها، ليجد الجمهورية، وقد غدت طبعة ثانية للاستبداد، فلا يتردد في مقاومة الانحراف، مستنداً إلى حصيلة فكرية، ألقاها على شكل محاضرات في المعهد القومي للإدارة، وصدرت فيما بعد في كتاب بعنوان: بدلاً من التيه.

عمل اتحاد القوى الشعبية خلال فترة الستينات من القرن الماضي، باتجاه تصحيح الجمهورية، وتمكين الشعب من حقه في الحكم وتقرير المصير، وكان للإتحاد إسهاماته المعروفة محلياً و دوليا، إلى أن استقر النظام الجمهوري مطلع السبعينات، واستقر الوزير بالمملكة العربية السعودية، فلم يتنازل عن مبادئه المعروفة، في مناهضة النظم الملكية والدعوة إلى الشورى والحرية والديمقراطية، ملتزماً في ذات الوقت بالتجديد في المذهب الزيدي وفي الفكر الإسلامي المعاصر، وفي مدينة جده السعودية أصدر كتابه الأهم ” على مشارف القرن الخامس عشر الهجري” إضافة إلى كتابيه ” الإمام زيد جهاد حق دائم”، ” الإمام الشافعي داعية ثورة ومؤسس مذهب).

لم يهادن الوزير الملكية، رغم أنه عاش وإخوانه في ضيافة الأسرة الملكية بالسعودية، وإذ حاول خصومه استغلاله من هذه الزاوية، فقد احتفظ بمواقفه ومبادئه، دون خوف أو وجل. وعاش في الشتات معارضاً للنظم المستبدة والعسكرية، كنظام الرئيس علي عبد الله صالح، ونظام صدام حسين، ملتزماً بالقضية الفلسطينية، وقضايا الأمة الإسلامية ككل، ومندداً بالعدوان العراقي على دولة الكويت، الفاجعة التي أسماها بقارعة العصر، معتبراً أن ما سماها صدام بـ ” أم المعارك ” إنما هي في الحقيقة ” أم المهالك ” في رؤية ثاقبة سرعان ما كشفت الأيام صوابيتها.

وبرأي الباحث عمر بن عثمان، فقد اتسمت كتابات الوزير في المرحلة الأولى بالتركيز على المأساة اليمنية، في ظل الدولة المتوكلية/ شمال اليمن، بهدف لفت الأنظار نحو واقع الشعب اليمني ومعاناته، وكسب تعاطف الرأي العام العربي والإسلامي والإنساني مع الحركة الوطنية في اليمن ونضالها ضد الحكم الفردي في ظل الملكية الإمامية.

وفي المرحلة الثانية، خرج بنشاطه الفكري من الإطار المحلي إلى الإطار القومي والإسلامي، فألف كتاب ” وفي سبيل الله المصرف السابع من الزكاة “، وطاف عدداً من دول العالم، محاضراً في الجامعات والمراكز الثقافية، وضيفاً على مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية.

أدرك الوزير أهمية الإعلام في صناعة الرأي العام، وتشكيل الوعي بالتغيير، فاستغل الهامش الديمقراطي الذي عرفته الجمهورية اليمنية في ظل السنوات الأولى من عمر الوحدة، فأسس صحيفة الشورى الناطقة باسم التحاد القوى الشعبية، فكانت واحة للرأي والرأي الآخر، وخاض الاتحاد من خلال الشورى معارك سياسية وقضائية في وجه الاستبداد الحاكم، فتوقفت الصحيفة أكثر من مرة، وتعرض الحزب للاستنساخ أكثر من مرة، وتمادت السلطة اليمنية في قمعها للحزب، فأوعزت في عام 2005 إلى عناصر أمنية، لتحتل المقر وتصادر الصحيفة وممتلكاتها، ولما تعيد الحقوق إلى أصحابها بعد.

لم يفاجأ الوزير وحزبه بمثل هذه الإجراءات التي حظيت باستنكار محلي ودولي، فهو الذي تعرض من قبل لمحاولة اغتيال بإحدى المدن الأمريكية، كما تعرض طوال الفترة المنصرمة، لسيل من الاتهامات والأباطيل التي ساقتها الأجهزة الأمنية والأفاقين من حولها، بهدف تشويه الصفحة التاريخية النضالية الناصعة لإبراهيم الوزير وإخوانه، وهي الصفحة التي لم تخل من مآثر خيرة استهلها الأخ الأكبر عباس الوزير، ليواصل إبراهيم ذات المسيرة الإنسانية، ومن حوله أخوة كرام ( زيد، قاسم، محمد ) أثروا الحياة السياسية والثقافية، بنتاجاتهم الفكرية والأدبية الرفيعة.

ولد إبراهيم الوزير في دار النصر بلواء تعز سنة 1351هـ، و تلقي تعليمه في المدرسة العلمية بصنعاء، ثم طور معارفه في المعتقل إثر فشل ثورة 1948 الدستورية، وفي مصر العربية 1954، حصل على دبلوم عالي في الأدب واللغة، ودبلوم أخصائي اجتماعي في ” اليونسكو”.

وخلال ما يزيد عن نصف قرن من العطاء غدا واحداًَ من أبرز رموز الفكر الإسلامي المعاصر، وسياسياً من طراز فريد ، لم يساوم، أو يؤثر الصمت فيسير في الزفة، بل تمسك بالتفكير الحر، ليقول الكلمة المناسبة في الوقت المناسب.

من مؤلفاته:

- بين يدي المأساة

- لكي لا نمضي في الظلام

- بدلا من التيه

- على مشارف القرن الخامس عشر الهجري

- زيد بن علي جهاد حق دائم

- الشافعي داعية ثورة ومؤسس مذهب

- شهادتان هما منهج حياة

- الطائفية آخر ورقة العالين في الأرض

- هموم وآمال إسلامية

- أم في غمار ثورة

- المنهج للحياة ( دعوة للحوار)

- البوسنة والهرسك.. عار للمسلمين وجرح في ضمير الإنسانية.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.