Loading...

التجهيز لحرب “عالمية” ثالثة

كتب : أحمد عز الدين الخميس 11-09-2014 17:44

التجهيز لحرب “عالمية” ثالثة

أحمد عز الدين

قد يري البعض أن الحديث عن التجهيز لحرب عالمية ثالثة يعبر عن نظرة متشائمة. أقرب إلي السيناريو الأسوأ أو الأسود، وأن هذا السيناريو ينبغي استبعاده كالعادة، أو وضعه في ذيل قائمة حسابات الاحتمالات. ولقد كان هذا هو الخطأ الاستراتيجي الذي وقعنا فيه دائمًا، فقد رأينا السيناريو الأسوأ في كل مرة، وأبصرناه في كل مرحلة، ولكننا بالغنا في استبعاده، والاستهانة به حد الازدراء، قبل أن نُفاجأ به يتمدد أمامنا حيّا ومكتملاً.
أذكر أنني كتبت هنا، قبل شهور من الفتح الاستراتيجي لضرب العراق في مقال كان عنوانه ‘في الطريق نحو سايكس ـ بيكو جديدة’ ما نصه بالحرف الواحد: ‘إن المعركة ضد العراق هي معركة لإعادة صياغة أوضاع الاقليم ولكنها فوق ذلك تشكّل مقدمة انقلاب استراتيجي في أوضاع الاقليم والعالم، وهو انقلاب يستهدف تغيير أنماط الصراع الدولي، وموازين القوي الدولية علي نحو عاصف وشامل، وتغيير الخرائط السياسية والاستراتيجية للشرق الأوسط الكبير بوسائل عسكرية مباشرة، وتغيير الخرائط السياسية والاستراتيجية علي المستوي الدولي، بنتائج هذا التغيير في المرحلة ذاتها، وبوسائل عسكرية مباشرة، إذا استدعي الأمر في مرحلة تالية’. لكنني تعرضت عندها لحملة ضارية توزعت بين الاتهام بقصور الرؤية، والانغماس في الماضي، والانحياز الايديولوجي. غير أنني كتبت في حينها ردًّا كان من بين سطوره نصّا وبالحرف الواحد: ‘.. إن بعض الجهات تعمل بمنطق أن الدولة المصرية، هي مجرد مصنع للملابس الجاهزة، يمكن أن يكون بمنجي من أدوات الحرب الأمريكية، إذا حصل انتاجه علي شهادة ‘أيزو’ من الولايات المتحدة، وبعضها الآخر يتعجّل تجهيز المراثي في العروبة والقومية والنظام الاقليمي العربي، وبعضها الآخر يبذل جهدًا استثنائيًا لتعميم ثقافة الرضوخ والانحناء، أما الأكثر تقدمًا وسطوة فقد بدأ بالفعل في تسويق الاستعمار الأمريكي كاحتلال عسكري أكثر نفعًا وإفادة للأمة والوطن من تلك الأنظمة الخامدة المتسلطة، التي تنكّبت طريق الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان’ ولكن الكلام ذهب بددًا، فلم يترك أثرًا، ولم ينجب فعلاً، فقد كانت الوجوه التي تمثل الجهات السابقة، وتتصدّر شاشات الاعلام، ومنابر السياسة والفكر، وتغلق منافذ الرؤية علي مركز اتخاذ القرار، هي نفسها أكثر الوجوه حضورًا في النخبة الطافية علي سطح الحياة السياسية الآن وهي تؤدي نفس الوظيفة حتي أن بمقدورك أن تقول دون تردد: ألا ما أشبه الليلة بالبارحة!
***
أريد أن أبدأ من العمق، من باطن الرؤية الغربية عمومًا والأمريكية بوجه خاص، ومن خلال ما تشي به الخطابات الغربية المختلفة، سواء تنزّلت من أفواه مسئولين سياسيين، أو من كتابات مفكرين وباحثين استراتيجيين، ما هو تحديدًا جوهر الرؤية الغربية للنظام الاقليمي في الشرق الأوسط.. ووحداته السياسية، ودوله القومية؟
لقد كان الرئيس أوباما في حواره مع ‘توماس فريدمان’ بالنيويورك تايمز، قبل أسابيع قليلة، بالغ الوضوح وهو يضغط علي ما يراه، حقيقة قائمة في بنية هذا النظام الاقليمي، بقوله: ‘إن نظام ما بعد الحرب العالمية الأولي ينهار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا’، وبعيدًا عن الترويج لقناعة غير صحيحة بأن ما يلحق بهذا النظام من انهيار، هو من طبائع الأشياء، ومن فعل قوانين الطبيعة، أي أن انهياره راجع إلي بنيته الذاتية المتداعية، وليست في بعض أسبابها العميقة منتوجًا لضغوط غربية، تارة بأساليب الاكراه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتارة بأدوات الحرب والعنف ونشر الفوضي، فالحقيقة أن المقولة في حد ذاتها، نذير بأن الولايات المتحدة ماضية بقوة مضاعفة في العمل علي إعادة صياغة أوضاع الاقليم، واستكمال عملية الانقلاب الاستراتيجي الشامل في كياناته السياسية، وخرائط الجغرافيا الاستراتيجية في نطاقه.
غير أن باطن الرؤية الأمريكية يبدو أكثر وضوحًا في كلمات ‘ريتشارد هاس’ رئيس مجلس العلاقات الخارجية الحالي والمدير السابق لهيئة التخطيط السياسي وأحد أعمدة إدارة بوش الابن، عبر مقاله الأخير ‘حرب الثلاثين عامًا الجديدة’، وهو يري اقليم الشرق الأوسط صورة موازية لأوربا في القرن السابع عشر، عندما أغرقت نفسها في بحور من الحروب والدماء والفوضي، ربما كانت في تقديره ضرورية، لأن يخرج منها المستقبل الأوربي في صورة ‘الاتحاد الأوربي’، وهذه الكلمات هي صدي لرؤية أوسع تضمنتها دراسات أنتجها مركز دراسات الشرق الأوسط هناك، غير أن الواضح من عنوان المقال بتقابل الصورتين، أوربا القرن السابع عشر وشرق أوسط العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أن الاطار الزمني، هنا وهناك، لن يكون مختلفًا فقد احتاجت أوربا إلي أن تسبح في بركة من الحروب والدماء والفوضي ثلاثين عامًا، قبل أن تبرأ من أمراضها القديمة، ويبدو أن بركة الدماء والحروب والفوضي في الشرط الأوسط تحتاج بدورها إلي ثلاثين عامًا، كي يبرأ الشرق الأوسط من أمراضه المزمنة، مع ملاحظة أن هذا الاطار الزمني ليس بعيدًا عما تضمنته استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وتكرر في صلبها نصًا بالقول: ‘إن الولايات المتحدة تمر بأولي سنوات صراع طويل ممتد، وهو وضع مشابه أجبر بلادنا علي مواجهته في بداية الحرب الباردة’. أي أن أمريكا تتحدث عن صراع ممتد يطول ما بين ثلاثة إلي أربعة عقود.
ولم يكن هذا المعني البعيد لتلك الصلات والروابط في العقل الاستراتيجي الأمريكي، بين أوربا العصور الوسطي، والشرق الأوسط الراهن، بعيدًا عن توصيف ‘جون كيري’ لأعمال ‘داعش’ الوحشية، فقد ردّها إلي أنماط سلوك العصور الوسطي، وكأن ‘داعش’ قد جيء بها كي تمارس الإرهاب والذبح، لكي تكون تلخيصًا واقعيًا ناطقًا بباطن الرؤية الغربية، باعتبارها في الوقت نفسه، تمثيلاً وتلخيصًا وافيًا لبنية الشرق الأوسط التي تنتسب إلي القرون الوسطي، العاجزة عن التغيير والتحديث وعن استيعاب روح الحضارة الغربية، وهو ما يمنح الغرب فرصة أن يرتدي قناعه الحضاري والأخلاقي، ويتفضّل بعلاجها، ولكن بأسلوب السحر الأفريقي في القرون الوسطي، علي غرار علاج أولئك الذين سكنت أجسادهم العفاريت، أي بضربها وتمزيقها وحرقها وتفتيت عظامها، لتحل روحها بعد أن تتطهر بالنار في جسد جديد، يتفضل الغرب أيضًا بتفصيله علي مقاس رؤيته ومصالحه وسطوته.
***
لماذا خرج الرئيس الأمريكي بغتة في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض يوم 28 أغسطس، ليعلن عن سعي أمريكا إلي تشكيل تحالف دولي واقليمي لمواجهة تنظيم ‘داعش’؟ ولماذا تحركت عملية الدعوة والتشكيل بسرعة خاطفة غير مسبوقة؟ حيث أصبغ ‘جون كيري’ في اليوم التالي علي التحالف صفتيّ: الاتساع والعالمية، ونقل الدعوة مباشرة إلي ‘هيجل’ وزير الدفاع في قمة حلف الاطلنطي التي كان مقررًا أن تنعقد بعد أيام في ‘ويلز’، ثم تكفّل ‘كيري’ بعد يوم آخر بتوضيح صلب التحالف من خلال مقال هام كتبه باسمه في نيويورك تايمز، وهو مقال يمكن من خلال بعض فقراته استجلاء بعض ما يحيط بالدعوة والتحالف من غموض، فالدعوة إلي هذا التحالف الدولي والتحالف نفسه، هدفه الجوهري المباشر ـ أولاً ـ هو ‘دعم القوة العسكرية’، رغم تغليفه بالحديث عن استخدام أدوات سياسية وإنسانية واقتصادية وقانونية واستخبارية، وقيادة هذا التحالف ـ ثانيًا ـ معقودة للولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وعلي أعضاء التحالف ـ ثالثًا ـ اتخاذ موقف موحد في اطار ما تراه قيادة التحالف، أما لماذا داعش ـ رابعًا ـ فلأنها أظهرت قدرة علي الاستيلاء علي الأرض أكثر من قدرة أي منظمة أخري، كما أنها مجهزة بأسلحة ثقيلة ومتطورة، وتطبق استراتيجية محسوبة ومدروسة، كما أنها استولت علي أرض في مناطق استراتيجية تقع علي الحدود مع الأردن ولبنان وتركيا، وقد أصبحت قريبة بشكل خطير من إسرائيل.
وهذا الكلام كله في الحقيقة، باستثناء هدف دعم القوة العسكرية، سواء للولايات المتحدة أو لحلف الاطلنطي، والقيادة المعقودة مسبقًا للولايات المتحدة، لا يفضّ من الغموض شيئًا، لأن المخاطر التي أوردها السيد ‘كيري’ لتشكيل تحالف دولي في مواجهة ‘داعش’ هي مجرد حجج واهية وواهنة كبيت العنكبوت. فالقول إن ‘داعش’ استولت علي أرض في مناطق استراتيجية علي الحدود مع تركيا ـ مثلاً ـ مردود عليه، بأن ‘داعش’ نفسها إذا كانت صناعة أمريكية بالفكرة والمولد فهي صناعة تركية بالتربية والتغذية والرعاية، فقد ظل النظام التركي هو الراعي الأساسي لها في عمليات التأمين اللوجستي والسلاح وهو الذي فتح لها حدوده وأمّن وصولها إلي احداثيات بعينها في الأراضي السورية، وقد كانت محطة تعبئة عناصرها الارهابية هي مدينة ‘آدي ايمان’ في تركيا، ثم أن ‘داعش’ خاضت في سوريا معارك بالوكالة ضد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لصالح اردوغان، لمنع تأسيس كيان كردي في الشمال السوري، بعد أن ترك الجيش السوري المناطق الكردية في الشمال للتنظيمات الكردية علي الحدود مع تركيا.
لكن المفارقة الواضحة في ذلك، بدت عندما تقدمت ‘داعش’ إلي التماس مع المنطقة الكردية في شمال العراق، فقبل أن تدخل ‘داعش’ إلي محافظة كركوك، كانت الفرقة 12 المدرعة من القوات العراقية، التي تشكّل كركوك والمناطق المحيطة بها مسرح عملياتها، قد سلمت طائعة دباباتها وأسلحتها لقوات البشمركة التابعة للشمال الكردي، وعندما فشلت هذه القوات في صد الصفوف الأولي لداعش، كان الطيران الأمريكي أقرب من حبل الوريد، لتأمين كردستان وإبقاء حقول النفط في أيدي الشركات متعددة الجنسيات، خاصة بعد أن أصبحت هذه الحقول مصدرًا محوريًا لتصدير النفط العراقي إلي إسرائيل، وأصبحت تركيا دون حاجة للدخول في تفاصيل موثْقة، هي الجسر المفتوح عبر ميناء ‘جيهان’ لنقل النفط العراقي إلي ‘تل أبيب’.
والواضح أنه عندما تحركت ‘داعش’ متوازية مع خطوط التقسيم التي يراد فرضها في سوريا حظيت بالتأييد والمساعدة والدعم، وعندما اندفعت وتماست عن جهل متقاطعة مع خطوط التقسيم في العراق، كان جزاؤها قصف أمريكيًا فوريًا لكي تثوب إلي رشدها، فهناك في هذا الحيّز شراكة أمنية واستراتيجية بين تركيا وكردستان التي تحدث عنها أوباما بما يشبه الدولة، وتغزّل في ديمقراطيتها كأنه يتحدث عن إسرائيل، وهي شراكة تسمح للأكراد بالتوسع ولكن في اتجاه إيران وسوريا دون التوسع في اتجاه تركيا بعد أن اقيمت منطقة عازلة بينهما بعمق ثلاثين كيلومترًا، كما أن المبادرات الغربية العاجلة لنقل أسلحة أمريكية وألمانية وفرنسية وبريطانية، وطواقم خبراء عسكريين غربيين إلي المنطقة الكردية، منطوية علي ما هو أبعد من نقل الأسلحة، إذ أصبح معلومًا أن هذه المنطقة الكردية، قد اشترت خلال السنوات الأخيرة أسلحة من إسرائيل وتركيا وأوكرانيا بما يساوي 11 مليار دولار.
أما عن وصول ‘داعش’ إلي مناطق استراتيجية علي الحدود مع الأردن، فحسب كلام الباحث الاسكتلندي ‘ستيفن ماكميلان’، فإن ما تم حذفه من دوائر الاهتمام الرئيسية بحملة ‘داعش’ الارهابية في العراق، هو العلاقة الحميمة بين ‘داعش’ ووكالة المخابرات الأمريكية، حيث إنهم هم الذين دربوا التنظيم وسلحوه ومولوه لسنوات، مضيفًا أن موقع ‘وورلدنت ديلي’ قد تلقي في عام 2012 تسريبات من مسئولين أردنيين، أفادوا بأن الجيش الأمريكي كان مسئولاً عن تدريب تنظيم ‘داعش’ في الأردن قبل أن يتم نشره في سوريا للقتال ضد النظام، ويمكن أن يضاف إلي ذلك ما أعلنه المتحدث باسم ‘داعش’ عن القيام بانشاء فرع في المملكة الأردنية لتجنيد مقاتلين، مؤكدًا لوكالة الأنباء الألمانية، أنهم يستخدمون الأردن كمركز للخدمات اللوجستية.
أما اقتراب ‘داعش’ الخطير من إسرائيل، كما يقول السيد ‘كيري’ فإن تهديد ‘داعش’ لإسرائيل يعني تمكنها من التمدد داخل الأردن، بينما هو يعلم تمامًا أن أحد المبادئ الحاكمة لنظرية الأمن الإسرائيلية، ينص علي المبادرة باستخدام القوة العسكرية في حالة وجود تهديد جدّي يستهدف إحداث تغيير جوهري في موازين القوي داخل الأردن.
***
لقد أكد ‘ماتيو أولسين’ مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب خلال محاضرة له في الثالث من هذا الشهر بمعهد ‘بروكينجز’ في واشنطن، ان تنظيم الدولة الاسلامية، أصبح يسيطر علي مساحة من الأرض تساوي مساحة أرض بريطانيا، لكن ذلك في الحقيقة ليس مقياسًا للقوة العسكرية، بقدر ما هو مقياس لبيئة مخلخلة، عشش فيها الفقر وغابت عنها قيم العدل والتنمية، وانحسرت عنها سلطة الدولة، بدليل أن بريطانيا التي ضرب بأرضها المثل، قد استطاعت في أوج الظاهرة الاستعمارية أن تحتل مساحة من أراضي غيرها من الدول تقدّر بمساحة بريطانيا نفسها 142 مرة، فقد احتلت ربع مساحة اليابس أي نحو 14 مليون ميل مربع، وحكمت ثلث سكان العالم أي ما يقدّر وقتها بمليار نسمة، ومن المؤكد أن ذلك لم يكن حاصل القوة العسكرية البريطانية، وإنما كان حاصل البيئة الاستراتيجية بأبعادها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ففي الحالتين نحن نتحدث عن بيئة ساقطة بالمعني الاستراتيجي المباشر. أما ما أضافه السيد ‘ماتيو’ إلي ما سبق فهو تأكيده حسب معلوماته بأن تنظيم الدولة الاسلامية يضم عشرة آلاف مقاتل، يفهم من سياق المحاضرة أنهم يتوزعون بين سوريا والعراق، ما دام امتدادهم الجغرافي يجري بين نهري دجلة والفرات.
وبغض النظر عن السؤال حول دور الولايات المتحدة في صنع التنظيم وفي تمويله وتسليحه وتسمينه، ودورها الأكبر في صنع البيئة العراقية الملائمة لنموه وانتشاره، هل يمكن أن تقتضي مواجهة عشرة آلاف إرهابي في مساحة بين العراق وسوريا، تشكيل تحالف دولي، يصفه وزير الخارجية الأمريكية بالاتساع والعالمية؟ وهل يمكن أن تتطلب هذه المواجهة مع هذا التنظيم ـ تحالفًا بين 28 دولة هم أعضاء حلف الاطلنطي و27 دولة هم أصدقاء الحلف، أي 55 دولة، علي رأسها الولايات المتحدة، بكل طاقتها وقدراتها العسكرية؟ ثم إذا كان هذا التحالف نفسه بغض النظر عن الديباجة السياسية لاعلانه، الذي يتحدث عن الاقتصاد والقانون وما يماثلهما، هدفه الجوهري هو تعزيز القوة العسكرية، ألا تبدو المعادلة مختلة تمامًا بين حجم هذا التحالف، وحجم القوة العسكرية التي يمكن أن ينتجها، وبين الهدف المعلن الذي يسعي إلي تحقيقه، وهو مواجهة بضعة آلاف من الإرهابيين في مناطق مكشوفة؟!
***
لا بد أن الرئيس أوباما أحس بتهافت الرؤية، وضعف الفلسفة التي يستند إليها مشروع التحالف الدولي لمواجهة ‘داعش’ لأنه أضاف في بيانه محاولة للتوازن والقفز فوق هذا التهافت والضعف، فقد أكد أن الولايات المتحدة قادرة وحدها علي مواجهة ‘داعش’ لكنها تخشي أن تقوم ‘داعش’ من جديد، بعد القيام بتصفيتها عسكريًا أي أن العملية العسكرية، لن تكون إلا بمثابة ‘جزّ العشب’ حيث تبقي جذوره وبذوره قابلة للإنبات من جديد، مما يعني أن هذا التحالف الدولي الكبير سيكون معنيًا بالبقاء لكي يواصل مراقبة الجذور ومنع البذور من الانبات، وهو أمر يخص التربة أي يخص البيئة، مما يعني أنه سيتولي إعادة صياغة هذه البيئة الاستراتيجية، لكنه لم يقل علي وجه التحديد، إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية في العراق، الذي أعطاه أولوية في المهمة الموكلة إلي الحلف، أم في عموم الاقليم الذي وصف نظامه الاقليمي بأنه آخذ في الانهيار؟ لكن السؤال لا ينتظر إجابة فالربط بين ‘داعش’ والنظام الاقليمي المنهار حسب تعبيره، يقدم بنفسه الاجابة، لكنها اجابة مبتسرة وغير كاملة في كل الأحوال، لأن الاجابة الحقيقية تطول ما هو أبعد من ‘داعش’ ومن العراق، ومن الاقليم، وقد أكون متشائمًا إذا قلت إن الاجابة هي نفسها عنوان هذا المقال أي التجهيز لحرب عالمية ثالثة، بعد نقل نواة الاضطراب العالمي الكبير إلي الشرق الأوسط، علي غرار ما كان الحال عليه، أوربيًا في الحرب العالمية الأولي.
***
أخشي ما أخشاه أن تدبّ الحياة في كلمات قليلة قالها ‘مارتن اندك’ في اجتماع مغلق في لندن، قبيل أسابيع من الفتح الاستراتيجي لضرب العراق، حين سئل عن موقف العرب من الحرب ونتائجها، وكانت إجابته قاطعة، بأنهم سيمشون وراء عربة الموسيقي الأمريكية عندما تصدح بأغاني النصر.
هذه المرة فإن بعض العرب سيمشون وراء عربة الموسيقي الأمريكية، بينما تعزف آلاتها النحاسية لحنًا جنائزيًا لهم وللشرق الأوسط الكبير!
‘وللحديث بقية’

 

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.