Loading...

اخبار

“تبادل الهزء بين رجل وماضيه” لمحمود ياسين: الرواية اليمنية واغتراب الأزمة الوجودية

كتب : الجمعة 15-08-2014 21:08
محمود ياسين كتاب

“تبادل الهزء بين رجل وماضيه” لمحمود ياسين: الرواية اليمنية واغتراب الأزمة الوجودية

الشوكة برس – بيروت – جينا سلطان
يغربل الكاتب اليمني محمود ياسين تداعياته الذهنية في روايته “تبادل الهزء بين رجل وماضيه” لتجنب فخ التنظير والابتعاد عن السخرية التي تفرضها الوصايا الادبية لأصحاب الاسماء الكبيرة حين يتم اسقاطها على واقع محلي بدائي. فمأزق الكتابة الموجهة إلى القارئ اليمني يتأطر في المراوحة العقيمة بين هاجس المثاقفة وعنف الإرث القبلي.

يمثل بطل الرواية العزي، الصحافي اليمني المثقف، نموذجاً جيداً لتشظي الهوية، ومعبراً ملائماً لتقصي عنف التواصل الذهني بين المتناقضات المتضخمة بنشوة القات. تالياً، يؤمّن قدرا كافيا من الهزء الذي يغلف حياته بالضبابية الموحية بالغواية، المتلائمة مع شخصية اللامنتمي المحلي، التي يتلبسها العزي في العاصمة صنعاء. ويضمن تفخيخ فرص الملذات، والتشتت بين الشبق البدوي والالتزام تجاه المعنى الاخلاقي، مما يفرخ علاقة ملتبسة بالنساء السيئات السمعة، تنجز تواصلا محترما معهن على حساب الحرمان الجنسي. هذا من شأنه أن يعمق الاحساس بالخذلان والخيبات المتتابعة، التي تتحول الى ضغينة تطال المستخفين بالاحترام، وتتكلل لاحقا برثاء الجهد الإنساني العبثي اللاهث وراء مصالحة مستحيلة مع العالم الهجين في صنعاء، المتقوقع ضمن مستوى يقتضي تقدما نسبيا معادلا لأزمة وجودية غائبة، عادة ما تكون أساس المحاججات الفلسفية.

خيبة العزي تدفعه للبحث عن وجود بسيط ملموس، يمكن قريته تقديمه بلا مقولات منتزعة من الكتب. تمتعه بشخصية فوضوية فنية، يهيئه للشروع في كتابة مذكرات، يحولها الى رواية قائمة على التداعيات الذهنية التي ترتدي وجوداً واقعياً ملموساً. تدخل تفاصيل بعيدة عن غرفة قديمة تدعم التهكم وتبادل الهزء بين العزي وماضيه، فينكشف بلا هوية للألم. وحين يتحول رثاء الذات الإنسانية المجهضة إلى ثقافة، يحدث تراجع على مستوى الأحلام، وتتوضع مقولة اللاعنف كمعادل وهمي للثقافة الخلّبية، ممثلةً بشخصية الحارس الخارج عن أعراف قبيلته المرتهنة للعنف والخطف. هذه المغادرة تعزله عن مكمن القوة الوحيدة في مجتمع بدائي، لتتهاوى أحلامه بحياة أرقى فكريا عند نشوب حريق في مبنى الجريدة التي يعمل فيها العزي. بينما يتخذ مشعل الحريق الخفي، فعلته ذريعة للعودة إلى أحضان قريته كبطل ينقذ الحارس من الموت اختناقا.

يستخدم محمود ياسين المسافة القائمة بين العزي ووهم الخلق، مدخلاً لمناقشة مآل الصحافة الثقافية العالمية وفشلها الكلي في انتاج فعل فلسفي حديث، واكتفائها بمجادلات ما بعد الحداثة. اذ لم يعد الحدث الفني والفلسفي الكبير يحدث الجلبة وحالة الانبهار والالهام، بل كاد العالم أن يفتقر إلى الولع بالعبقرية والموهبة. فالعالم يقتات غرائبيات وجاذبية ايام ماضية واسماء قديمة، باستثناء دان براون المتداول بشدة من خلال رواياته التي لم تدفع احداً للادعاء بأن كاتبها غيّر حياته، وباولو كويلو الذي عجز عن بعث الوجود الموحي بالغموض الغرائبي، والحصول على قراء يدركون مغزى المأزق الوجودي الانساني في رواياته، كما هي الحال مع كونديرا. من المنظور نفسه تأتي رؤيته لعاهرات الماضي بوصفها ظاهرة من الالهام تتقاطع فيها ذروة العالم الفني العالق في الحقل الاخلاقي. وتحديدا تلك الحالة من الالتباس، الضاجة بالرغبة والاذلال، التي غدت الآن تمثيلا لواقع استهلاكي لا يثير فضول احد. لكأن العالم يتوقف عن الاشمئزاز والحيرة في شأن الحكم الأخلاقي. وبذلك يتوقف المثقف الباحث دوما عن قصة تملأه، في زمن كونديرا، عاجزا عن انجاز علاقة مع كويلو أو دان براون.

ينعى ياسين انحسار الصحافة الثقافية التي دأبت على تقديم اختصارات مدهشة، تساند مدمني التجليات الوجودية التجاوزية، حيث تصبح الحياة المنفعلة ممكنة ومتداولة على الصفحات الأدبية، وفي وسعها احداث التقارب المغوي بين الانسان وذاته المتناقضة بحالة الاستعلاء الواقعي إزاء ادعاء معرفة اعماق الانسان التي احتفى بها العالم سابقا. تحولُ العالم الى الخبرة يقضي على البراءة والشغف، لتتسع قائمة الاعمال التي تقتفي اثر الملموس المنتشي بالتذوق وليس بالرؤيوية والالهام. أما العزي فيقلقه تمجيده أثناء الأمسية القصصية لفوضى حياة الفن وجاذبيتها، المتعارض مع قراره الافلات من فوضى حياته الذهنية، والبحث عن دنيا ملموسة في القرية، مبرراً فعلته بالحاجة لفعل ملموس ضد الكتب وضد الامكنة المذلة. من هنا يجسد افتعال عراك مع المؤجر بداية موفقة للبدائية التي يزمع أن يحياها، بينما يتخذ حرقه مقر الصحيفة مكانه كتمرد على اذلال طالما افتقر إلى الذكورية الواضحة.

مذ غادر العزي قريته بحثاً عن احترام الذات، مخففاً عنه وطأة عار غرام مرفوض من جارته الحسناء، حتى بدأ يستثمر الادب في الحصول على مشاعر تقربه من نفسه اكثر. تعلم من همنغواي كيف يمتلئ ويحيا على احتقار حيوات اخرى، كصديقه حسن حمادي الذي تصرف طوال حياته كخاسر ومحتقر حين ارتضى الزواج من ابنة الوجيه وفرغ لانتظار خسارتها، ثم أدرك أنه حارب على اعمدة الصحف لأجل المقهورين، إذ وجد فيهم دفء القطيع وملاذ التضامن الانساني تجاه المهانة، وبذلك امتلأ بأزمته الوجودية مغتبطا برثاء الذات وعذابات الآخرين. وحين أزفّ وقت التغيير فكر جديا في ابتزاز صديقه الجندي لتحويل ماضي الصحافة الطازج إلى قوة استحواذ. فالعزي متلصص ملذات، في عالم مكتظ بالأذية المجانية والتعويضات المتأخرة.

يملأ ياسين روايته بتفاصيل ثانوية كثيرة تحقق العودة إلى الجذور، في نقلة متعمدة تثبت أنها حركة باهتة، فيقدم برهانا على عبثية استمرار الكاتب في قنص الصور والتلاعب بمصائر المهمشين لتوزيع مقادير الفضيلة وتهديدات المصير وفقا لحاجته هو للمكافأة والانتقام. تعجز أمور كهذه، عن ادهاش قارئ بحجم كونديرا، ينتمي إلى عالم روائي مليء بأشياء لا تستطيع ذاكرة القارئ اليمني تجاوزها.
(النهار)

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.