Loading...

اخبار

تواطؤ الأضداد في كتاب (مُلاّك الله والأوطان) للمفكر علي حرب

كتب : الثلاثاء 01-04-2014 00:16
غلاف كتاب ملاك الله والاوطان

تواطؤ الأضداد في كتاب (مُلاّك الله والأوطان( للمفكر علي حرب،،

الشوكة برس – حواس محمود ( نسخة موجزة في الشوكة برس )

يرى المفكر علي حرب في كتابه ملاك الله والأوطان”، الصادر حديثا عن الدار العربية للعلوم – ناشرون ببيروت 2014، أن ما يحدث الآن من ثورات تقنية وتحوّلات ثقافية وفتوحات معرفية وانتفاضات سياسية يفتح إمكانية انبثاق عالم فكري جديد بمرجعياته ونماذجه بسجلاته وخرائطه.

في كتاب “ملاّك الله والأوطان” يتجلى رهان العمل الفلسفي: الاشتغال على الأفكار وفق إيقاع التحديات والأزمات والتحوّلات، وذلك من أجل تجديد العدة الفكرية التي تسهم في تغيير الواقع. يركز حرب على أن العطل يكون في الأفكار بالدرجة الأولى، أي أن العطل بنيوي، من جهة كونه قصورا فكريا عن إدراك ماهيات الأشياء وتركيبها وصيرورات تحولها.

إنها إشكالية الوضع البشري بهشاشته والتباساته ومفارقاته، كما يشير المؤلف إلى أن أصحاب هذه الشعارات والقضايا هم أول من يضربونها في مقتل: فمن كانوا من دعاة القومية هم أشرس من عادوها وحولوها إلى شعار فارغ لا قيمة له في ظل الانتكاس العربي المقيم، ومن كانوا من دعاة الإسلام هم أول من حولوا الإسلام إلى إرهاب، ومن كانوا يدعون إلى الاشتراكية هم من حوّلوا الاشتراكية إلى حالة فقر دائم للشعوب التي كانوا يدافعون عنها.

ويجد حرب مفتاح الخروج من المأزق ليس بالتشبث بدعواتنا المستحيلة واستراتيجياتنا القاتلة، بل بكسر البداهات والخروج على الثوابت بحيث نهتم بتفكيك الشيفرات التي ظللنا نصنع بها إنسانيتنا المفلسة ونحصد الإخفاق والخراب، وذلك حتى نضع على مشرحة التحليل مفاهيمنا للحقيقة والهوية والحرية والسلطة وسواهما من القضايا التي نتفانى من أجل تحقيقها.

يرى علي حرب أن العرب المتشبثين بحداثتهم وجدوا دعما لهم عند أهل الحداثة والمدافعين عنها، ولذا نراهم يحتجون بمواقف الفيلسوف “يورغن هابرماس“ الذي كان يرفض بشدة النقد الموجه للحداثة، معتبرا أن مشروع التنوير ما زال صالحا في أسسه، ولم يستنفد أو يستكمل بعد، ولذا لا داعي لنقده والحديث عن أزمته، ولكن لا شيء يستكمل بصورة نهائية أو حاسمه إلا عند ذوي العقل الأحادي المغلق، وها هو هابرماس قد تراجع عن موقفه أو قام بتطويره، كما تشهد مقولته حول “المجتمع ما بعد العلماني” وكما تشهد مناظرته الشهيرة مع الكاردينال جوزيف راتسنغر، قبل أن يصبح بابا روما تحت اسم بنديكتوس السادس عشر، إذ اعترف الفيلسوف الألماني في هذه المناظرة بأزمة العقل الحداثي والتنويري، بهذا المعنى فالتنوير هو مهمة دائمة لكشف أشكال الحجب والزيف والمصادرة والاحتكار لكل ما يتعلق بأنماط المصداقية والمشروعية.

وينتقد علي حرب ارتداد الحداثيين العرب عوضا عن أن يعتبروا الموجة الجديدة إمكانا وفرصة فتحت للانخراط في المناقشات العالمية، حول أزمة الحداثة والعقل الكوني، كما يشير إلى أن الحداثيين العرب قد تعاملوا مع العناوين والمفاهيم بعقل أصولي، دوغمائي، مما حولهم إلى ديناصورات حداثية تتخيل مستقبل العالم العربي كماضي أوروبا منذ ثلاثة قرون، وهذا يعتبر مثالا على التفكير بصورة مقلوبة، عند من يحسب المشكلة حلا، أو الفرصة مشكلة.

كما يشير حرب إلى ما يسميه بـ”الهاجس النضالي” الذي يجعل المشتغل بالفلسفة يغلب في مشاغله الاعتبارات الأيديولوجية والنضالية، لكي يتحول إلى داعية أو مصلح أو ثائر أو محرر.

وكل هذه الصور والنماذج والأدوار تتمّ على حساب النقد التنويري والصناعة المفهومية، الأمر الذي حال دون تجديد العناوين المتعلقة بالعقلانية، والاستنارة والحرية، كما يرى أن الأضداد تتواطأ.

فالعقل الأصولي القومي يخدم العقل الأصولي الديني من خلال الاشتراك في منع مناخات وأجواء الحرية والديمقراطية وسدّ منافذ التنمية والتحوّلات الاجتماعية الإيجابية، وتفخيخ الأجواء السياسية لإبقاء الحالة العربية متخلفة وعاجزة عن التقدّم والتطوّر.

المصدر : صحيفة العرب

نسخة موجزة إقرأها في الشوكة برس

المفكر والفيلسوف اللبناني علي حرب في كتابه الجديد:

مُلاّك الله والأوطان

 

http://www.almustaqbal.com/images/blank/blank.gif

http://www.almustaqbal.com/images/blank/blank.gif

http://www.almustaqbal.com/issues/images/4000to4999/4895/B20-N20.gif

http://www.almustaqbal.com/images/blank/blank.gif

علي حرب من المفكرين والفلاسفة الذين استفادوا من مجمل الاتجاهات والمناهج الفلسفية المرتبطة بالقرن العشرين وما قبل، وكذلك بالايديولوجيات الشمولية والليبرالية، اضافة الى انفتاح حيّ على العلوم الانسانية والآداب، لكن علي حرب، وباستقراء فلسفي جديد غير منمنم للنظريات الجاهزة، كأنه يحاول تفكيك الظواهر الاساسية العربية (الربيع العربي)، وكذلك العولمية، كأسطورة التقدم، وطغيان البربرية، وهشاشة الشعارات وافتراضيات عالم، يتطور بتقنياته، ويتراجع بانسانيته. والمميز عند علي حرب، هو هذا التوغل العميق، والتفصيلي في الوقائع، وفي الفجاءات (الربيع العربي) ليستمد منها خامة افكاره، واحكامه، ومقاربته، وليس العكس. فالقرن العشرون كان قرن الكتب والبيانات والتنظيرات المغلقة، (الابدية)، تستخدم قسراً للتعاطي مع الواقع، والوجود، والحياة والسياسة. واي كان عصر الايديولوجيات التي كادت تلغي المفارقات، والتميزات، لتقرأ كل شيء بمعميات فوقية. علي حرب، كمفكر يعيش كل ذلك بجسمه، وعقله، ويومياته، مسلماً بثقافة متسعة، ليتعامل مع الامور تعاملاً خاصاً لا تعامل “القبائل” الايديولوجية، او الشلالات الشمولية. ولهذا، وعلى الرغم من اتساع مروحة همومه، تلحظ ان الانسان بحرياته، وتناقضاته واسبابه، ووضعه الوجودي، هو التحدي الاكبر. وكأن على كل الافكار والمناهج والمفاهيم ان تُسخر له، لا ان يسخّر لها.
صدر لعلي حرب كتاب شيق وبنفح جديد، وبمقاربات متجددة، على مختلف الازمات الكونية وحول “اباطرة” الحقائق، وقياصرة الفتاوى، وطغيان الفكرة الواحدة (في العولمة) او في الكيانات المتطرفة، الدينية منها وغير الدينية… هنا المقدمة.
[
I ـ محنة الأفكار
تطرح المتغيرت العالمية اسئلتها المحرجة على الفلاسفة والعلماء، لكي تمتحن نظرياتهم وانسقاهم المعرفية، بقدر ما تكشف عن نماذجهم في الرؤية او انماطهم في التفكير او طرق مقارباتهم للاحداث والمجريات. فكيف ذا كانت الاحداث متسارعة، عاصفة، مزلزلة، واذا كان الواقع بمفارقاته ومتاهاته وافخاخه، هو في غاية التعقيد والالتباس والسيولة والتدفق والانفلات والضبابية…
من هنا تختلف القراءات والمواقف. هناك من ينظر الى المتغيرات بعين مفتوحة، ترى الوجه الآخر او البعد الآخر في ما يحدث، بقدر ما تتعامل معه بوصفه امكاناً ابنجس او فرصة فتحت، لتغيير انماط التفكير وادوات التحليل واساليب العمل التي تستهلك وتتكشف دوماً عن قصورها في فم الواقع وتشخيصه.
والمثال البارز يقدمه العاملون على الشبكات من الاجيال الجديدة. لقد اصبحت الوسائط الرقمية، في نظرهم، مفتاح الاندراج في العالم للمشاركة في بنائه، سواء بحصولهم على المعلومات، او بثهم الرسائل، او اجرائهم الاتصالات وادارة لاعمال، من على بعد وبسرعة البرق او الفكر.
بل هذا ما يفعله فليسوف بلغ من العمر عتياً. انه الفرنسي ميشال سير الذي لم يفزغ من المتغيرات، ولم يتباك على القيم المنهارة او على الحداثة الآفلة، كما نجد ذلك في كتابه “الابهامة”، وفيه يبين ان الانسانية تشهد ولادة جديدة مع العصر الرقمي. ولا عجب فلكل عصر تقني شكله البشري ونمطه الوجودي. ومع الدخول في العصر الرقمي يظهر فاعل بشري جديد على المسرح.
في المقابل هناك من يخشى من المتغيرات على هويته وثوابته. ولا يقتصر الامر على الكتلة الدينية بتياراتها ومعسكراتها. ثمة حداثيون يفزعون مما يحدث، من فتوحات وتحولات، على حداثتهم بشعاراتها ورموزها وقيمها…
هذه حال الذين يحدثوننا في العالم العربي عن الحداثة المغدورة او النهضة المجهضة. واليوم هناك من يحدثوننا عن الثورة المسروقة. وهؤلاء يتخلون عما يشكل علة نهوض المثقف، الفيلسوف او العالم او الاديب او الفنان: الدرس والتحليل، الفهم والتشخيص، الاعتبار والتدبير.
ولذا، فهم لايستعيدون نهضة، ولا يصنعون حداثة، ولا يلأمون هوية، ما لم يخرجوا على عاداتهم الفكرية الراسخة، ويعيدوا النظر بثوابتهم المزعومة، بل هم بتشبثهم بمقولاتهم الجامدة وحقائقهم المطلقة، يعيدون انتاج الازمة، بقدر ما يسهمون في تعقيد المشكلة، ولغير سبب:
اولاً، لأن ما يخشون منه من المتغيرات، انما هو ثمرة افكارهم وسياستهم في ادارة القضايا. ولو كانوا يفكرون بصورة حية ومبتكرة، لما حصل ما يفاجئهم او يصدمهم.
ثانياً، لانه لا شيء بعد الحدث يعود كما كان عليه. فما يحدث له مفاعيله التحويلية في تغيير بنية الواقع وخريطة المشهد.
ثالثاً، لانه لا احد ينجو من اثر المتغيرات التي تخرق من يقفون ضدها، اذ هي تهمشهم بقدر ما تفضح عجزهم عن معالجة المشكلات. هذا شأن الذين رفضوا عالم الحداثة: لقد تخلفوا وعاشوا حداثتهم بصورة مشوهة او فقيرة او مزيفة.
[
II ـ أصولية حداثية
وهكذا لا مرجوع عن الحدث الى ما قبله. حتى الشيء الذي يظن بأنه راسخ او ثابت او جامد، انما يتحرك ويتغير، تحت هذا الوجه او ذاك، سلباً او ايجاباً، وذلك بصرف النظر عن الاطياف والصور المكونة عنه في النفوس والعقول.
والشاهد تقدمه المشاريع الاصولية التي يسعى اصحابها الى التماهي مع اصل او زمن او حدث او نص او شخص… فمن المحال ان تعود بنا الى الماضي، كما من المستحيل ان تتطابق مع ما تدعو اليه، لان الماضي اصبح جزءاً من الحاضر ومعطى من معطيات الواقع المراهن.
وهكذا فنحن لا نعيش في كهوف التاريخ وسراديب الماضي، بقدر ما نقيم في العالم، بفضاءاته وامكنته ومسارحه ومنصاته ومنابره… فإما ان نسيء الاقامة فيه بتحويل معطيات وجودنا الى عوائق ومآزق، واما ان نحسن الاقامة، بالاشتغال على افكارنا وعلى وقائع حياتنا، بخلق معطيات جديدة، تتيح لنا ان نتغير لكي نحسن ادارة المتغيرت ومواجهة التحديات.
ولذا لا عودة، الى الوراء، كما نتوهم، لا الى صدر الاسلام ولا الى العصر الجاهلي، لا الى العصر العباسي ولا الى العصور الوسطى، لا الى عصر الانوار الغربي ولا الى عصر النهضة العربي.
ان اهل هذه العصور قد عاشوا ازمنتهم بسياقاتها وظروفها، بمفاهيمها وقيمها، بأدواتها ووسائلها… واما الذي يريد العودة الى ما مضى، على سبيل المماهاة والتطابق، فإنه يخدع نفسه ويجهل هويته، لكي يحصد العجز والاخفاق، بقدر ما يتعامى عما هو مندرج فيه او منخرط في صنعه في واقعه الراهن. والحصيلة هي تخريب الحاضر وتلغيم المستقبل.
وهذا ما تفعله، اليوم الاصوليات الدينية بنماذجها الاصطفائية واحزابها التفكيرية وحروبها الاهلية البربرية. وهذا ايضاً ما فعلته، وما تزال تفعله، الاصوليات اليسارية، بحقائقها النهائية ونظرياتها الشمولية وتصوراتها الطوباوية: ليس العودة الى الماضي، ولا التقدم نحو المستقبل، بل اعادة انتاج الواقع بشكله الاسوأ او الارهاب.
ولا تشذ بعض النخب الثقافية عن هذا التوصيف، كما هي حال الفيلسوف الحداثي الذي يتشبث بثوابته الايديولوجية لكي يتهجم على القيادات السلفية، فيما هو يفكر بطريقة اصولية، منحيث منطق اطروحته الأحادي او الطوباوي. ولذا فهو يشكل الوجه الآخر للداعية الاصولي، بقدر ما يجهل انه، باخفاقه، قد اسهم في انعاش القيادات السلفية وصعودها لكي تصدر واجهة المشهد.
وهكذا لا جدوى من نقد الاصوليات، بأفكار ومقولات ادت دورها ولكنها استهلكت، وباتت بحاجة الى التجديد، كما هي عناوين العقلانية والاستنارة والحرية والانسانية…
[
III ـ الفكر وطاقته
ثمة رهان آخر في قراءات المجريات والتصدي للمشكلات: كسر الاطر والقوالب او الانساق والنماذج التي فات اوانها وباتت تنتهي الى زمن مضى.
فما يحدث من ثورات تقنية وتحولات ثقافية وفتوحات معرفية وانتفاضات سياسية، يفتح الامكان لانبثاق عالم فكري جديد بمرجعياته ونماذجه، بسجلاته وخرائطه. وهذا هو رهان العمل الفلسفي: الاشتغال على الافكار، على وقع التحديات والازمات والتحولات، من اجل تجديد العدة الفكرية، بخلق وقائع فكرية خارقة تسهم في تغيير لواقع، بقدر ما تفتح افقاً غير مسبوق للنظر والعمل.
فلن يبقى النتاج الفلسفي كما كان عليه في عصر المنتوجات الصلبة والحقائق المطلقة والمعارف الضرورية والذات السيدة والماهيات المحضة، فيما تدخل البشرية في عصر الشاشات الضوئية والشبكات العنكبوتية والوقائع الافتراضية والمعلومات السيالة والمنتوجات الناعمة والعلاقات المتحولة والهويات العابرة… الامر الذي يفتح الامكان للانتقال من منطق الأنا المتعالي والنفي الجدلي والفكر الآحادي الى منطق التعدد والتركيب او التجاوز والتحويل… وذلك هو التحدي والرهان.
[
IV ـ سلطة العلامة
هذا ما يفعله صاحب العقل النقدي والتنويري: انه يحمل المسؤولية عن نفسه، ولا يضع الملامة على الغير او على الظروف. فالعطل كامن في الافكار، ما دامت علاقتنا بوجودنا هي علاقة فكرية.
ومعنى كونها كذلك انه لا وجود لنظ محض او لرؤية شفافة في تمثل ما هو معطى او في فهم ما يحدث. كل رؤية هي قراءة مشحونة بالرغبة والارادة، بقدر ما هي محملة بالمعاني والرموز والصور. كل رؤية خارقة هي بناء فكري ينتج معنى او قيمة، صورة او هيئة، نظاماً او ترتيباً، تماما كما ان كل قراءة هي شبكة تحويلية نفكك بها نمطاً من العلاقات، لننسج شبكة اخرى.
وهكذا لا وجود لواقع يدرك كما هو في عينيته المباشرة والعارية، من غير الوسائط، كما تجسدها، بشكل خاص، اللغة وعلاماتها أو الشاشة ومعلوماتها.
وللعلامة سلطتها، كما للشاشة مفاعيلها، في سيرورة بناء الواقع، محاكاة ومضاعفة، أو تصنيعاً وتحويلاً، أو فبركة وتركيباً. ولهذا، فنحن لا نأخذ بالمعطيات كما تقدم أو كما تقدم نفسها، بل نرتد على أفكارنا، لنفك تراكيب الفهم وشيفرات المعنى أو قوالب المعرفة ومنظومات الادارك، للكشف عن مصدر العطب والعطل أو عن أوجه الخلل والقصور.
بهذا المعنى تفقد مصداقيتها مقولة “الماوراء” التي تحيل الى أصل غائر أو أساس راسخ أو مبدأ ثابت يقف وراء انبجاس الأشياء وانتظامها. فالماوراء هو مفعول من مفاعيل التفكير، أي هو ما ينطوي عليه فعل التفكير وما لا ينفك عن ممارسته من الحجب والاستبعاد أو الخداع والزيف.
ولذا، فنحن عندما ندرس ونحلل، لا نتجاوز المظهر الخادع نحو الجوهر المكنون. إذ لا وجود لجوهر صاف أو ماهية ثابتة أو حقيقة ساطعة. نحن ازاء واقع لا يظهر كما هو عليه، بل يخضع دوماً للتشكيل والتخليق أو للتحويل والتركيب، عبر لغاتنا ورموزنا وتصوراتنا وشاشاتنا وأدواتنا وسلعنا وماركاتنا…
وهكذا فالإنسان لا يمكن مباشرة الواقع بعين محايدة، شفافة، بل هو لا ينفك عن التدخل في مجرى الأحداث وسير العالم. كل عمل من أعماله يشكل واقعة تترك أثرها في تغيير الواقع بوجه من الوجوه. وكل خلق يشكّل اضافة في المعرفة أو الثروة أو القيمة تتغير معها علاقات القوة وقواعد اللعبة. كل خلق هو حدث لا يتكرر من حيث فرادته وإنتاجه للتنوع والتباين والاختلاف.
بهذا المعنى من الخداع الحديث عن الاستثناء الثقافي. فكل ابداع أو ابتكار، في مجال من المجالات، أكان فردياً أم جمعياً، انما هو استثناء، أي فعل خلق يحدث بصورة غير مسبوقة ولا منتظرة.

[V ـ لعبة المعنى
وإذا كان الإنسان لا يكف عن التفكير لانتاج المعنى، فلكل معنى فرادته وأحديته. ولهذا فهو لا يستنسخ إلا عند من يتصرف بوصفه نسخة عن سواه. بل لا معنى يُستنسخ إلا على سبيل الاختزال والإفقار، تماماً كما أنه من المستحيل أن يتطابق نص القارئ من النص الذي يقرأه، إذ كل خطاب ينتج معناه.
من هنا، فالنص يقرأ كل مرة قراءة مختلفة، باختلاف الظرف والسياق واللحظة المعاشة. الأمر الذي يُسهم في انفتاح المعنى وتجديده، وإعادة بنائه. كل معاناة تفتح باباً للمعنى، وكل تجربة غنية تثري عالم المعنى، وكل حدث يغيّر خريطة المعنى، بقدر ما يخلق معطيات جديدة تتغيّر معها مرجعية الدلالة ولغة الفهم أو نظام القيم وحقول المعرفة.
وأياً يكن الأمر، فلا مجال لحصر المعنى والقبض عليه، أولاً، لأن العلاقة بالثوابت من الأسماء والأشياء والذوات ليس ثابتة، بل هي مفتوحة بقدر ما هي متغيرة أو عارضة، فقيرة أو زائفة؛ ثانياً، لأن الخطاب فيما ينص على الحقيقة، إنما يخلق في الوقت نفسه حقيقته ويفرض وقائعيته أو سلطته، بالتستر على ما هو فردي أو جزئي أو شخصي، تحت مقولة العام والكلي أو الحتمي. من هنا حاجته الدائمة الى الشرح والتفسير أو التأويل والتفكيك، وهي عملية لا تتوقف. مما يعني أن الحقيقة ليس مجرد معرفتنا بالواقع على نحو مطابق، بل هي ما نقدر على اختراعه وصنعه أو انجازه وأدائه، لغة ومفهوماً، أو تخيلاً وتركيباً، أو إدارة وتدبيراً. الأمر الذي يضع حداً لمزاعم الوصول الى الحقيقة التي هي مسار وبناء، أكثر مما هي قبض وتملك. ولذا، فهي تبقى قيد المراجعة والتشكيل والتحول. وتلك هي إشكالية الحقيقة ومحنة المعنى. من يبحث عن الحقيقة النهائية يضل عنها، ومن يدعي القبض على المعنى لا يحسن سوى انتهاكه.
وهكذا، فالانسان هو علاقته بالمعنى، دَيناً وانتاجاً، لعباً أو خلقاً، محنة أو اشكالاً، على ما يقول الفلاسفة ويتبنى أقوالهم شعراء لكي ينسبوها الى أنفسهم.
بهذا المعنى نحن نتجاوز التعامل الماورائي مع مقولات الماهية والهوية، نحو منطق النسب والعلاقات. فالعالم هو بناه وشبكاته وخرائطه، بقدر ما هو تعدد مستوياته وأصعدته ودوائره. هذا إذا لم نشأ مجاراة علماء الكون قولهم، اليوم، بتعدد العوالم والأكوان.

[VIـ المفارقات والفروقات
من هذا المنطلق يمكن تناول المسألة التي أثارت السجال حول ما تكشفت عنه الأحداث من الاخفاقات والخيبات، وكما جرت الأمور بعد الثورات العربية التي فجرتها القوى الجديدة من الأجيال الشابة، والتي فاجأت الجميع عند اندلاعها، كما فاجأتهم، فيما بعد، بمساراتها ومآلاتها التي خرجت عن الضبط والسيطرة، لتخالف كل الحسابات والتوقعات.
نحن هنا ازاء اشكالية تخص الفاعل البشري عامة، كما تتجسد في الفرق والتفاوت أو في التعارض والفصام بين الأقوال والأعمال، بين النظريات والممارسات، بين المنطلقات والنهايات. وتلك هي المفارقة.
والمثال البارز نجده لدى أصحاب المشاريع الجذرية، من الذين سعوا الى تغيير العالم وبناء المجتمعات على أساس نظرياتهم العلمية المحققة أو منظوماتهم الأيديولوجية المغلقة أو برامجهم السياسية المعقلنة، فإذا بالواقع يقودهم الى عكس ما فكروا فيه وخططوا له، ليفضح جهلهم وادعاءهم وقصورهم، كما شهدت نماذج الستالينية والنازية والفاشية، في أوروبا، وكما تشهد الآن الأصوليات الدينية المسعورة في العالم العربي.
وهكذا نحن نصنع ما نشكو منه، أو ننتهك ما ندعو إليه، أو نرتد على ما ندافع عنه، أو ننغمس في ما نعيبه على الغير، أو نخسر ما نريد المحافظة عليه، أو نسعى الى البناء لكي نحصد الخراب…
هذه هي الاشكالية، كما اصفها بأسلوبي وصياغاتي، منذ انخراطي في نقدي للنخب الثقافية ولأصحاب المشاريع الأيديولوجية واليسارية، حيث الشعارات ترجمت بأضدادها، وحيث الضد يتواطأ مع ضده، لتخريب القضايا وتصفيتها.
واذا كنت اتفق مع غيري في التوصيف، فإنني أختلف معهم، من حيث التشخيص والمعالجة: فالهوة بين البدايات الواعدة والنهايات البائسة لا تفسرها مقولات مكر التاريخ وسخريته أو هوته.
[
VIIـ فجوة الوجود
فالعلة تُردّ أولاً الى أوهام القبض والتحكم في ما يخص سير العالم وإدارته؛ وترد ثانياً الى المشاريع الطوباوية المستحيلة التي يفكر أصحابها تحت خانة المطلق والكامل والثابت والنهائي؛ وترد ثالثاً الى التعامل مع الواقع بعقل تبسيطي آحادي الجانب؛ وترد رابعاً الى العمل بمنطق المماهاة والصفاء والتجانس؛ وترد أخيراً الى نرجسية الانسان وتألهه، كما يتجسد ذلك في مقولات ديكتاتورية الحقيقة وأمبريالية المعنى وقدسية القضايا وتنزيه الذات مقابل أبلسة الآخر والعمل على إلغائه.
نحن إزاء علة بنيوية تكوينية هي التي تجعل المشاريع والدعوات تنسج من مفارقاتها، أو تنتهك من أصحابها، أو ترتد على الداعين إليها، أو تتستر على فضائحها، أو تستبطن أفخاخها، أو تنتج عوائقها ومآزقها. وبسبب ذلك فإن ما ندعيه أن نعرفه أو نصنعه هو منقوص أو مشتبه أو ملغوم، بقدر ما يستعصي على فهمنا ويرتد ضدنا.
هذا ما يفسّر العديد من المفارقات التي تتكشف عنها مآلات العقائد الدينية والأيديولوجية الحديثة. هو ما يفسر كيف أن الماركسية، التي قدمت نفسها بوصفها خلاصة الفكر التاريخي والتقدمي، قد انتهت الى إقامة نظام شمولي أنتج معسكرات الاعتقال الرهيبة؛ أو كيف أن المسيحية التي قدمت نفسها بوصفها معتقداً روحانياً ينبذ المادة ويحتقر الجسد، إنما يكمن سرّها في التجسيد الذي هو الأصل، وليس الروح أو كيف أن الاسلام قد انتصر عسكرياً وعقائدياً على الجاهلية، فيما هزم أخلاقياً أمام مروءة الجاهليين.
وبالإجمال هذا ما يفسر كيف أن الضحية يتحول الى جلاد، وكيف يتواطأ الضد مع ضده على صناعة الدمار المتبادل؟ وهكذا لا تتعلق المسألة بما يسمونه “هوة” التاريخ التي لا تفسر شيئاً، إذ هي لغز يحتاج الى التفكيك، بقدر ما يتجاهل أصحابه أفخاخ الواقع والتباساته. الأحرى الكلام على ما يتميز به الشرط البشري، أعني فجوة الوجود كما تتجسد في تناهي الانسان وحدود العقل وازدواج الحقيقة والتباس المفهوم وتعدد المعنى واشتباه الرواية وهشاشة الذات…
[
VIIIـ العلّة والميزة
هذه الفجوة هي العلة والميزة في آن: العلة لأنها تشكّل مصدر الجهل والعجز والإخفاق أو الارتداد والانتهاك والتواطؤ…
ولكنها تشكل، في الوقت نفسه منبع الإمكان، أي مصدر القوة ومصنع القدرة على الخلق والخرق أو على التدخل والتوسط في مجرى الأحداث، بصورة فعالة أو بناءة، وعلى نحو يخرق الشروط ويكسر الحدود.
إذن هي التي تفسر لنا كيف أن أعمالنا ومساعينا تفاجئنا أو تصدمنا بنتائجها وآثارها ومفاعيلها، غير المحسوبة وغير المتوقعة، سلباً أو ايجاباً، أي ما نرسف فيه من العجز أو ما نحققه من المعجزات الخارقة.
هذه القراءة للوضع البشري، بمفردات التناهي والهشاشة والمفارقة والتعارض والتوتر والعبور والتجاوز، لها ممكناتها ومفاعيلها ونتائجها على غير صعيد معرفي وأيديولوجي أو خلقي وسياسي أو ثقافي ومجتمعي…
[
IX ـ العقل وقصوره
الأول هو اعادة النظر في مفهوم الانسان نفسه، وذلك بكسر النرجسية البشرية والتحرر من التهويمات اللاهوتية، بحيث نعترف بأننا أدنى شأناً، مما ندّعي من حيث علاقتنا بالمبادئ والقيم والمثل المتصلة بالحقيقة والحرية والعدالة… الأمر الذي يحملنا على خفض السقف الرمزي من المقدسات والمطلقات والمتعاليات التي لا نحسن سوى انتهاكها على ارض الواقع الدنيوي، الأرضي، المحايث، كما يدعونا الى ممارسة التواضع الوجودي، بحيث ندرّب عقولنا ونفوسنا على التفكير بمفردات التجاور والتعايش أو التواصل والتعارف أو التبادل والتفاعل، أي كل ما يمكّننا من الاقامة في هذا العالم والمساهمة في بنائه من غير تهويمات خلاصية، آخروية، لاهوتية، كان لها أثمانها الباهظة على المؤمنين بها وعلى البشر عامة، عداوات وحروباً أو عبودية واستبداداً.
الثاني هو التخفف من مزاعم القبض والتيقن أو التملك والتحكم، للاعتراف بأن للعقل حدوده في معرفة الواقع ودرك معاني النصوص، كما له حدوده في توقع المآلات وفي السيطرة على الأهواء والاحداث والأعمال. ففي كل ما ندعي معرفته والاستيلاء عليه، يفاجئنا، من وراء علمنا، جانب دفين أو معتم أو ملتبس أو مراوغ أو مفخخ يخرج عن دائرة التفكير والسيطرة، الأمر الذي يحملنا على التحرر من أوهام الروايات الكبرى والنماذج الآحادية والنظريات الكلية التي يحتكر أصحابها التنظير والتفسير، بقدر ما يحملنا على ممارسة التُقى المعرفي، بحيث نفكر ونعمل بصوغ عقلانيات، مرنة، متحركة، مواربة، لولبية، مركبة، تنفتح على تعدد الاختصاصات والمقاربات، بقدر ما تتجدد على ضوء التحديات والتحولات، وتبقى قيد المساءلة والمراجعة على سبيل التطوير والتوسيع، بقدر ما تتكشف عن قصورها أو تفقد فاعليتها. وهكذا فالعقل ليس مرجعية مقدسة، وإنما هو علاقته بما لا يعقل، من هنا سعيه الى فك قيوده والتحرر من مسبقاته أو فضح بداهاته وكسر أصنامه.
[
X ـ الشبكة والموجة
الثالث هو كسر منطق الثبات لصالح منطق التحويل الخلاق. فلا فكرة تحتفظ بماهيتها أو صورتها أو بنيتها، بانتقالها من شخص الى غيره، أو من مستوى الى آخر، ما دام هناك تفاوت أو تباين بين مستويات الوجود هو الذي يجعل النهايات تختلف عن البدايات، وهو الذي يفسر كيف تقل قدرة البشر على التوقع أو على السيطرة على الأشياء، بالرغم من تطور العلوم وانفجار المعارف.
من هنا فإن الفكرة الحية، الخصبة، ليست هي التي تطبق وفقاً لما هو مرسوم أو مخطط، بل هي التي تخضع للترميم أو التطوير، في ميدان الممارسة وعلى محك التجربة.
بهذا المعنى فالذي يجرب فكرته هو كمن يترجم من لغة الى أخرى، بحيث يعمل على مادته بالاحالة والزحزحة، أو بالتعديل والتحويل، على سبيل التأليف والابتكار. بهذا المعنى أيضاً تشكل الافكار الخصبة شبكات تواصلية بقدر ما هي موجات تحويلية. انها لا تعيدنا الى أصل مزعوم أو الى ماض مضى، وإنما هي قدرتها على الخلق والخرق، بقدر ما تشكل امكاناً لفتح أفق أو تدشين حقل أو بناء نموذج أو صوغ قاعدة…
الرابع هو التحرر من أوهام المماهاة والتطابق أو الصفاء والتجانس، من حيث العلاقة مع الذات، فرداً أو مجتمعاً. فلا مماهاة تامة، إذ لا شيء يتساوى مع نفسه ما دامت سوية المرء تبنى على الالتباس والازدواج والتعارض والانشطار والتوتر…
وفي المقابل لا مغايرة، بالكلية، من حيث العلاقة مع الآخر، ما دام الاجتماع، على أي مستوى كان، سيما في هذا العصر الكوكبي، ينسج من التداخل والتشابك، الأمر الذي يتيح صوغ قواعد جديدة للتعامل، بتجاوز مفردات التساهل والتسامح، والنفي أو القطيعة، للعمل بقواعد المداولة والوساطة والشراكة والاعتراف المتبادل.
الخامس هو التخلي عن الوهم الخادع بوجود خير أقصى أو شر محض، للاقتناع بنسبية معاييرنا وأعمالنا. وإذا كانت بعض القيم ثابتة كالحرية والعدالة، فإن العلاقة بها وأشكال ترجمتها ليست ثابتة، بل متغيرة. وما يبدو هنا، أو الآن، معقولاً أو مشروعاً أو نافعاً، قد يفقد مصداقيته هناك أو غداً، مما يعني العمل على تجديد أدوات النظر وقواعد العمل، كي لا تعطي مردودها العكسي.

[ XI ـ الشيطان ملاكاً
السادس هو امكان التحرر من المفهوم اللاهوتي للحقيقة، بوصفها مطلقة، متعالية، ثابتة، نهاية، لمصلحة الحقائق الجزئية والمفردة، النسبية والمتغيرة.
هذا أفق يفتح “نقد الحقيقة، وليس الخروج من فلك الحقائق، لأن عالم البشر يتشكل مما ينتجونه من الحقائق أو يخلقونه من الوقائع. الممكن هو كشف ما يمارسه خطاب الحقيقة من التلاعب والخداع والحجب والزيف، بفتح مفهومها على ما هو متعدد وعارض، أو مستهلك ومستنفد، أو طارئ وزائل، أو هارب وعابر…
مثل هذا النقد الذي تنكسر معه ديكتاتورية الحقيقة يحملنا على اعادة ترتيب العلاقة بين الصواب والخطأ، بقدر ما يحملنا على اعادة الاعتبار للخطاب السوفسطائي الذي يتعامل مع الحقيقة على نحو، ناسوتي، نسبي، تداولي، ذرائعي، نفعي، في مواجهة خطاب سقراط الذي يتحدث، على الأقل في طور من أطواره الفكرية، من موقع مالك الحقيقة ومحتكرها.
بهذا المعنى، فالذي يدعي امتلاك الحقيقة يستبطن سوفسطائياً بالمعنى السلبي، وليس الايجابي، إذ هو يجعلنا نترحم ليس فقط على السوفسطائي الذي لا يدعي احتكار الحقيقة، بل على من ننعتهم بالكافرين والمارقين والخارجين والشياطين، ولا أنسى النساء اللواتي يقاومن السلطة الذكورية بالظهور عاريات أمام الملأ، لأن هؤلاء يبدون ملائكة قياساً على ما يمارسه ملاك الحقيقة والله أو ملاك القضايا والبلدان، من الاستبداد والارهاب، أو على ما يحدثونه من الفساد والخراب.

[XII ـ إنسانيتنا المفلسة
وهكذا، نحن إزاء رؤية لها مفاعيلها ونتائجها على المستوى الوجودي. والدرس المستخلص من ذلك هو كسر التعارضات الماورائية العقيمة التي تقيم فصلاً حاسماً بين الأضداد أو بين الأشياء أو بين الذوات، كثنائيات الحق والباطل أو الصواب والخطأ أو العقل والخرافة أو الحكمة والجنون أو الله والشيطان أو الحضارة والبربرية.
ففي داخل منا يستوطن عنصري أو فاشي أو بربري أو أحمق أو مجنون أو فاسد أو مخطئ، بقدر ما يعتور كينونتنا من النقص والجهل أو النسيان والنفاد، وبقدر ما تنسج انسانيتنا من الطمع والجشع والتكالب أو من التطرف والتعصب والتشدد.
وإلا كيف نفسر أن يتواطأ الضد مع ضده؟ كيف نفهم ما يشهده المسرح الكوني من الاضطراب والارهاب والخراب؟
لنحسن القراءة، لكي نحسن التشخيص والمعالجة. لم يعد يجدي الكلام على غياب الانسان والاساءة الى حقوقه؛ كما لم يعد يجدي أن نستنجد بما يصنع المشكلة، أو أن نطلب الخلاص باختراع آلهة جدد، لكي نحصد كل هذا العبث وكل هذا التوحش.
فالمشكلة ليست في غياب الانسان أو نسيانه، من قبل هذه الجماعة أو تلك، أو هذا المذهب أو ذاك. المشكلة هي في الانسان نفسه: في كونه ليس على مستوى ما يدعيه من القيم والمبادئ أو ما يدعو اليه من العقائد والشرائع، يستوي في ذلك، صاحب المشروع الديني والمذهب العلماني. فنحن نعاني من فرط انسانيتنا بمختلف صورها العلمانية والدينية، الماورائية والغيبية، اللاهوتية والناسوتية.
[
XIII ـ النقد الفعال

من هنا يتوجه النقد، بالمعنى الوجودي، الى الانسان نفسه، متجاوزاً نقد المنظومات الأيديولوجية والمعتقدات الدينية والحركات السياسية أو التنظيمات الحزبية، وذلك من أجل تفكيك الصور والنماذج والأنماط والقيم التي صنعنا بها انسانيتنا، لكي نحصد كل هذه المساوئ والمفاسد. أو لنتخلف عن الإرث التنويري أو المكتسب النقدي، كما يتجسد في الكتابات القديمة والحديثة، من نقد الدين الى نقد العقل، ومن نقد الانسان الى نقد الحداثة، ومن نقد الحقيقة الى نقد النص، ومن نقد الذات السيدة القابضة، الى نقد الهويات العنصرية، ومن نقد العقائد الاصطفائية الى نقد المشاريع الأصولية والأنظمة الشمولية. والنقد الفعّال، بما هو سير واجتراح أو خرق وخرق، أو تحويل وتركيب، إنما يجعل الممكن ممتنعاً، بقدر ما يفتح الامكان للتحرر من الشعوذات الايمانية والتشبيحات اللاهوتية والتهويمات الأيديولوجية والنزعات النرجسية، النخبوية، أي ما دفعت البشرية أثمانها الباهظة استعباداً واستبداداً أو فتناً وحروباً أو هلاكاً وخراباً.
وهذا يقتضي منا، كذوات بشرية، أن لا ننسب أعمالنا وصنائعنا لمرجعيات غيبية، بحيث نقر بأننا لا مرجع لنا سوى ذواتنا وأن نحمل المسؤولية عن أعمالنا وصنائعنا، بعيداً عن منطق التقديس والتعالي، كما يقتضي بأن لا نثق كثيراً بأنفسنا المجبولة من الطمع والحقد والعقد، وأن لا نثق بنوع خاص بأصحاب الدعوات والمشاريع الذين يتسترون، في أكثر الأحيان، وراء الشعارات لاتخاذها غطاء لمشاريع السيطرة والهيمنة. من غير ذلك لن نفعل سوى انتهاك المتعاليات والدوس على المقدسات، كما تشهد ممارسات حراس العقائد والشرائع.

[XIV ـ الخلاّق والعابر
إن ما يشهده العالم من تحولات وثورات يتيح الامكان لولادة انسان جديد بمرجعياته وأنماطه ونماذجه وأساليبه. إنه الفرد الذي لا تقف هويته وراءه، كعبء أو قيد أو عصاب، بل تقف أمامه بوصفها قدرته على الابتكار والانجاز أو على النمو والازدهار.
ولعل هذا ما تحاوله الانتفاضات والثورات الجارية في العالم العربي، وفي خارجه: إنها تفتح باباً يصعب غلقه بعد الآن: ولادة المواطن الفرد، الذي يفكر بصورة حرة، مستقلة، بكسر منطق المصادرات القدسية والوصايات النبوية أو الأبوية تحت هذا الشعار أو ذاك.
ومن هذا شأنه يخرج من قوقعته ليمارس هوية عابرة للأطر التقليدية، بقدر ما يمارس حريته في التفكير والاعتقاد، أو في الخروج على المعتقدات والمذاهب القديمة والحديثة، أو في إخضاعها للنقد بأدوات الدرس المعرفي والفحص العقلي والتناول الفني.
من هذا شأنه يستعصي على القولبة والتدجين، بقدر ما يكسر ثنائية الزعيم والجمهور العاجز أو المرشد والقطيع الأعمى.
ولا يعني ذلك طغيان النزعة الفردية على حساب قواعد التكافل والتضامن والشراكة في المصائر. بالعكس فالأصوليات والشموليات والديكتاتوريات هي التي تدمر قواعد الشراكة بين الناس، إذ هي تسحق الأفراد وتشل طاقتهم الحية، بقدر ما تدمر المجتمعات بتحويلها الى سجون فكرية أو الى كتل عاجزة تمارس طقوس العبادة لزعيمها أو قائدها أو منقذها، بانتظار أن تحصل المعجزة أي الخلاص. ولكن ما يحصل دوما هو العكس: الفساد والهلاك والخراب.
وحده الفرد الخلاق، الذي يستثمر فكره بصورة خارقة ويشغّل عقله بصورة بناءة، هو القادر على أن يتزحزح عن مركزيته، لكي يبتكر، مع نظرائه أو شركائه، مساحات ولغات وقواعد للعمل المشترك وللعيش معاً.

 

 

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.