Loading...

توليب بين الصبّار

كتب : الجمعة 04-04-2014 21:05
صورة ريم عبد الغني

توليب بين الصبّار،،


ريم عبد الغني …

لا أدري ما الذي أيقظني والليل في هزيعه الأخير… تسلّلتُ إلى مكتبي… أضأتُ مصباحي الصغير… وفكّرتُ أن أداوي أرقي بالكتابة
ما إن لامس قلمي الورقة، حتى تجلّتْ أمامي
لم تغبْ عن ذهني لحظة واحدة، منذ غادرتها ظهر أمس… موناليزا حيّةعينان مملوءتان بالحزن وابتسامة حفرتها السنون على وجه ما زال يشكو آثار بكاء طويل
عند الباب… استقبلتنا القامة الدقيقة للسيّدة الستينيّة، رحّبت بنا بصوت قويّ دائم الاحتداد… يعكس بقايا كيان مزّقته صرخات احتجاج موؤودة.
ما إن تلج عتبة بيتها حتى يصلك، من كل شيء فيه، ما يعتمل في داخلها، كمّ هائل من التفاصيل والألوان، من الرسومات والزخارف… تعكس ما جاش طويلاً في أعماقها.
أكثر ما أتمثّله منها الآن عينان حانيتان… تنضحان مرارة، مازالتا تتقدان حياةً، رغم أن كل شيء آخر فيها انطفأ… تثرثران -حتى في صمتها- دون انقطاع… تبوحان بهواجس أحلام لم تتحقّق، ورغبات لم تخمد، و أسى الحنين إلى ما لا يعود.
كمّ القهر، الذي ملأ المكان ما أن بدأتْ بسرد قصتها، غمرني بالرهبة
لم يبق لها من الشباب إلا الغصّة وعذاب روح توّاقة… سجينة جسد لا يستطيع مجاراتها، و مرارة من فهم الحياة وأدرك أبعادها… بعد فوات الأوان.
كانت وردة يانعة، يوم أصرّ الضابط الشاب أن يقطفها، لم تفلح ممانعة والدها الذي كان يراها «جديرة بملك»، و لم تأبه يومها كثيراً، هي البنت المدللة ابنة الذوات، بالفوارق الشاسعة بينها وبين البدويّ الصلب المزهو بنفسه، المتشبّع بمفاهيم بيئته، الذي لن يترك له طموحه الوقت ولا تربيته الأسلوب «ليحبها كما تشاء».
دفعتْ غالياً ثمن تحدّيها الجميع للزواج منه، حينما اكتشفتْ بُعد الواقع عن الحلم، وواجهتْ، فوق الفقر والغربة، عائلته الملتصقة به بشكل مَرَضيّ، لا سيّما والدته التي كانت تراه -على حدّ تعبيرها- «شجرة زرعتها ويحقّ لها أن تستمتع بجني ثمارها».
و رغم أن زمنها لم يؤمن بأن للمرأة صوتاً، ولا حقّ الحلم بالحرية، لكنّها عاندته، أصغتْ لنداء الحياة المتفجّر في قرارتها، وحزمت حقائبها لتعود من حيث أتتْ.
بخفّي حنين رجعتْ إلى حضن عائلتها وعملها، كان أملها أن تبدأ من جديدلكن المجتمع القاسي -سيّما حينها- لم يكن ليعطي المرأة فرصتين، و لم يكن ليقبلها إلا من خلال رجل، واضطرت الفرس الحرون تحت ألم سياط الواقع للعودة إلى حظيرتها .
تتنهد وهي تروي القصة… كأنّ تفاصيلها جمرات ما فتئت تتلظّى داخلها طيلة تلك السنين
أربعون عاماً مضتْ منذ عادت إليه منكسرة، مُفرغة من الأحاسيس والأحلام، تدرّج الضابط خلالها من نجاح إلى آخر، في عمل لم يعشْ إلا له، و أفرغ فيه قبل أن يتقاعد آخر قطرات عطائه
اتّسعت -في الأربعين عاماً- مسافات ضوئية فصلت بين شريكي البيت الواحد… بقي كل منهما مشدوداً إلى عالمه و بيئته و نسيجه النفسيّ الخاص… و في كأس «التعايش» و«المسايرة» والموت البطيء… ظلّ الزيت زيتاً والماء ماء… لم يذب أي منهما في الآخر، وها هي الحصيلة، مرارة خواء… وثلاثة أولاد… و بقايا رجل يحتضن أوسمة قايضها بعمره و عمر من أمستْ حطام حلم في حطام امرأة
أفرغتْ «رجاء»، خلال تلك السنين الطويلة، مشاعرها المكبوتة في لوحات رسمتها… غطّتْ بها وجه بيت لم تشعر يوماً أنّه مملكتها، سجّلتها شهادة على حياة وُئدتْ، وفوق الستائر وأغطية المقاعد الأنيقة… طرّزتْ أصابعها حزن ساعات الوحدة الطويلة… أنينِ زهرة توليب نبتتْ خطأً بين شجيرات الصبّار.
حينما قاربت الساعة الثانية، ودنا موعد مغادرتنا… قررتْ أن تصمت فجأة دون مقدمات كما بدأت، انطفأ -بقرار منها- بريق أضاء عينيها حينما حدّثتنا عن صباها، خبا وجهها الذي شعّ شباباً وألماً في الساعتين الماضيتين، لتعود «رجاء» إلى سنّها الحقيقي
أغادرها وقد أرهقتني المسافات الطويلة التي مشيتها في مساحات حزنها، جلدتني نظراتها الحسرى على شباب حُرمته، نخرتْ قلبي أنّات لم تشخ… لروح ٍعشقتْ الحياة، أرادتْ أن «تكون»، لكنها ذبلتْ بين أسوار الظروف وسجن الأعراف.
ما كان أقسى أن تشهد بصمت احتضاراً بطيئاً لمواهبها… تلك التي بزغتْ إلى الحياة شابّة واعدة متوقّدة الذكاء، متنوّعة الثقافة، تلك التي طالما أشعلتْ بيت أبيها حياة، بصوت شجيّ لا يملّ الغناء، برقصٍ متواصل بين جنباته، كيف تحوّلتْ من باقة أحلام إلى طلل؟.
صفحات طويلة كتبتُها عنها، ذيّلتُها بكلماتٍ أظنُّها تلخّص مأساة «رجاء -وكثيرات غيرها- يقتلها رفضها لواقع ذبحها أصلاً قبولها به».

 

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.