Loading...

جداريات فنية مقابل القنابل !

كتب : الإثنين 29-06-2015 15:50
مراد سبيع

جداريات فنية مقابل القنابل !

مراد سبيع
المنزل يهتز كمريض بالحمى، نهرع أنا وأسرتي من الغرفة المواجهة للشارع إلى الصالة التي تقع وسط الشقة، ثم يلي اهتزاز المنزل صوت انفجار يصم الآذان. بعدها نهرع جميعا أنا وأسرتي لننظر من نافذة الشقة التي تقع في الدور الرابع من العمارة. يا الله، عمود انفجار هائل شبيه بـ “عش الغراب” الذي يلي انفجار قنبلة ذرية. في البداية كنت متأكدا أن هذا الانفجار حدث في معسكر الشرف الذي يبعد حوالي 250 متر عن شقة العائلة، كنت متأكدا من هذا، لأن حجم الانفجار كان هائلا. بعد فترة عرفنا بأن الانفجار قد حدث في جبل عطان الذي يحوي مخازن للأسلحة، وأن استهدافه كان بقنبلة “فراغيه” من قبل قوات التحالف التي تقودها السعودية.

بعد أسابيع من الانفجار الهائل في فج عطان، صحوت وأيقظت أخي الأصغر من نومه وقلت له “هل تأتي معي إلى فج عطان؟”، صحا بسرعة وأخذ كاميرته وانطلقنا معا. قضينا وقتا طويلا في البحث عن حافلة تأخذنا إلى المنطقة. عندما نزلنا من الحافلة، فتح أخي نجيب كاميرته ليبدأ بالتقاط الصور. قمت بفعل نفس الشيء ولكن بكاميرا تلفوني الجوال. جل ما التقطته عدسة الكاميرا هي شوارع ممتلئة بالأبواب والسيارات المدمرة والمباني المحترقة.

استمررنا بالمشي، وبدأت بالتقاط بقايا قنابل يدوية تناثرت من مخازن الأسلحة التي كانت في بطن الجبل بدلا من التقاط المزيد من الصور. حينها نبهني شقيقي، والذي قد كان زار المنطقة في وقت سابق، بأن القنابل قد تحوي مواد سامة، فرميتها من يدي. استمررت بالتقاط الصور في الشارع الرئيسي ولم أجرؤ على التعمق في المنطقة. كان هناك صوت طائرة حربية تقترب، أعقبها صوت هزني بقوة. إنها أول مرة أتعرف فيها على صوت مضاد الطائرات الذي كان مخبئا في مكان ما حولنا. تسمرنا أنا وشقيقي وخمسة أشخاص آخرين كانوا يلتقطون الصور مثلنا. ثم بسيارة هيلوكس مارة بجوارنا تتوقف في وسط الشارع. قال لنا صاحبها “اصعدوا”. صعدنا إلى السيارة نحن والخمسة الآخرين، ثم انطلقت بنا السيارة إلى خارج منطقة فج عطان فتوجب شكر مالك السيارة.

لم تبارح ذهني منطقة فج عطان بعد ذلك الانفجار الهائل. فكانت المنطقة الثانية التي قررت الذهاب إليها والرسم فيها مع أصدقائي. انطلقت اليها مرة أخرى، ولكن هذه المرة رافقني صديقي الفنان ذي يزن العلوي. دخلنا من إحدى الشوارع الفرعية للمنطقة صعودا نحو الجبل. وكلما صعدنا أكثر، كلما كان الدمار أكثر.

وصلنا إلى الحدود بين المدينة والجبل، تمتد بينهما حقول أشجار القات شبه العارية من الأوراق. التقى ناظري برجل معاق على كرسي متحرك وامرأة تطبخ الغداء في قدر موضوع بين حجرتين ونار وقودها الحطب. جاء شاب صغير يخبرنا بأن ابن المرأة قد توفي قبل أسبوعين أثناء لعبه بلغم انفجر بين يديه. سألتهم عن مسكنهم، فأشاروا لبيت دمر تماما فأصبحوا يعيشون في منزل مملوك لشخص آخر. عندما سألونا عن مرادنا قلت لهم: “نريد أن نرسم عن الكارثة التي حدثت هنا”. أذنت لنا المرأة بالرسم على بقايا جدار غرفة داخل منزلها. كانت المنطقة خالية من الناس. علمت من الأسرة بأن الناس قد نزحوا من المنطقة بعد الانفجار. وسألتهم عن حقول القات ولماذا الأشجار تبدوا عارية من الأوراق، فكانت إجابتهم مفاجئة لي، حيث إن قوة الانفجار نزعت أوراق الأشجار وأحرقت الحقول القريبة منه.

عدنا بعد يومين لنرسم في المنطقة مع بعض الأصدقاء. ذي يزن الذي رسم معي، محسن الشهاري، حنان الصرمي، عبد الرحمن حسين وهديل الموفق. كان عبد الرحمن يصور فيلما عن نشاط المجموعة، وحنان تلتقط صورا فوتوغرافية. محسن يساعد ذي يزن في جداريته، وهديل تساعدني في جداريتي. بعض مصوري الوكالات جاءوا والتقطوا صورا لعملنا في المنطقة. كنت قلقا على حياتي وحياة أصدقائي حينها، وتبادرت إلى ذهني فكرة المغادرة فورا. بعدها بدقائق، انتهينا من الرسم، وقفلنا عائدين تاركين منطقة فج عطان مع جداريتين ترمزان لحجم الدمار الذي لحق بالمنطقة.
(هنا صوتك)

التعليقات

التعليقات مغلقة.