Loading...

سبتمبر… الوعد الحق

كتب : عبد الباري طاهر الجمعة 29-09-2017 21:57

سبتمبر… الوعد الحق

 

عبد الباري طاهر

الثورة، سبتمبر وأكتوبر، هي وعد المواطنة لكل اليمنيين شمالاً وجنوباً. قبلها كنا شعوباً وقبائل، ومناطق وقرى مذرورة منثورة تنتمي للقبائل وللقرى وللطائفة أكثر من انتسابها لليمن. مدننا قرى كبيرة. في مطلع القرن الماضي، زار الإيطالي، سلفاتور أبونتي، المتوكلية اليمنية وأطلق عليها «مملكة الموتى». التسمية على قسوتها واقعية حد الفجيعة. في الفترة إياها، زار العراقي، محمد الجواهري، صنعاء، فقال قولته الحية حتى اليوم: «اليمن جوهرة بيد فحام». وقد يختلف الأمر أنها اليوم بيد أكثر من فحام أقل خبرة، وأكثر جهلاً وتخلفاً.

بفضل الثورة اليمنية تحررت البلاد من الإستعمار، وتخلصت من استبداد الإمامة شبه الإقطاعي ذي الحكم الثيوقراطي القروسطي. لا وجه للمقارنة بين ما كان عليه الحال في المتوكلية اليمنية وما بعدها، غير أننا لا بد أن نلاحظ أن التركيز على مساوئ الإمامة وتخلفها، وتعليق كل العجز والقصور والفشل القائم اليوم على مشجب الإمامة أمر سيء للغاية، ولا يقل سوءاً عن تحميل الأسرة الحميدية (نسبة إلى بيت حميد الدين) وحدها كل مساوئ وويلات الحكم الإمامي، خصوصاً إذا أدركنا أن كبار المشايخ (مشايخ الضمان)، وكبار رجالات الأسر الهاشمية والقضاة وعمال النواحي والقضوات الذين يمثلون أهل الحل والعقد، أو الأطراف المعنية – كما يسميهم النعمان الإبن -، كانوا جزءاً أساسياً من حكم بيت حميد الدين، رغم خلافاتهم معه لأسباب معينة تخص كل طرف.

فاحتكار الإمام يحيى وأبنائه للسلطة فيما بعد، وإقصاء كبار الأسر الهاشمية، هو ما دفع بالعديد من هذه الأسر لمناوءته. كما أن حصر الإمامة في البطنين قد دفع بكبار القضاة والعلماء من غير الأسر الهاشمية، وبعضهم أكثر علماً ومعرفة وتأهيلاً من الأسر الحاكمة، قد دفع بهم إلى المعارضة، والأمر ممتد إلى أزمنة قديمة. فقد انتقدها وعارضها علماء كبار أمثال أبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني، ونشوان بن سعيد الحميري، والمقبلي، والشوكاني، بل انتقدها علماء ينتمون إلى الأسر الهاشمية الزيدية أمثال محمد بن إسماعيل الأمير وغيرهم؛ مما وسع دائرة المعارضة السياسية. وللمطرفية، الفرقة المبادة، وجهة نظر في شروط الإمام. وأسهمت هذه السياسات السلالية الممزوجة بالطائفية في إقصاء غالبية السكان، وخلق معارضة سياسية لحكم آل حميد الدين، وسهل قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962.

الأحرار اليمنيون، وهم القادة السياسيون للحركة الوطنية في المتوكلية اليمنية، وينحدرون من مختلف الفئات والشرائح الإجتماعية، وجدوا السند والدعم في أبناء الشمال في عدن، وفي المهاجر اليمنية على كثرتها. قضية ولاية العهد أيضاً، وهي ليست من المذهب الزيدي، ولا تدخل في شروط الإمامة المنصوص عليها كالعلم والاجتهاد والخروج، قد خلقت صراعاً داخل الأسرة الحميدية ما بين أحمد وإخوانه وأولاد إخوانه، وقد انضم سيف الحق إبراهيم إلى الأحرار في عدن، ليصبح بعد قيام الحركة رئيس مجلس الشورى.

وأسهم استمرار الصراع من حول ولاية العهد في قيام الثورة (الحسنيين والبدريين). كما سهل وجود المعارضة السياسية الواسعة من مختلف الفئات والشرائح الإجتماعية قيام الثورة في المراحل الأولى، ولكنه أيضاً عقّد الصراع في نفس الوقت، وخلق كوابح وضغوطاً ضد الثورة بمفهومها الوطني الديمقراطي.

انطلقت الثورة بالعشرات والمئات من نواة الجيش الحديث من الضباط والجنود؛ فهم من فجّر الثورة ليلة السادس والعشرين من سبتمبر. كان صوت «إذاعة صنعاء»، الجهاز الإعلامي الوحيد في المتوكلية اليمنية، «هنا الجمهورية اليمنية»، داعياً الشعب للتحرر والخلاص. كانت الثورة هي الشعلة التي عمت اليمن كلها، فهبت الجماهير في المدن والقرى تلتف من حول نداء الثورة، وتقود المظاهرات المؤيدة، وتعتقل رموز النظام القديم. لأول مرة، تجتاح رياح الثورة العالمية، ثورة الحرية والجمهورية والعدالة الإجتماعية، اليمن الشمالي. القوى الجديدة والشابة هي التي رفدت الثورة، ومثلت العمق والقوة الدافعة. اليمن تعيش كشقيقاتها العربية الثورة والثورة المضادة المتعاقبة

للثورة المصرية، بزعامة القائد العربي جمال عبد الناصر، دور كبير في مساندة الثورة منذ اللحظات الأولى. وكان للأحزاب الحديثة والقوى الجديدة دور كبير أيضاً في احتضان الثورة والدفاع عنها، ووقفت الأنظمة القومية العربية وحركات التحرر الوطني والمعسكر الإشتراكي إلى جانب الثورة.

لكل حدث عظيم جانبان: جانب إيجابي، وجانب سلبي. الجانب الإيجابي كان الأساس، وينطوي الجانب السلبي أو يخفى، لكنه يظل يكبر ويتفاعل بمقدار أخطاء الإيجابي. في تجربة الثورة اليمنية، سبتمبر وأكتوبر، ولدت الثورة ومعها حمولة ثقيلة من الماضي. وفي حين كان الضباط الصغار (تنظيم الضباط الأحرار) والجنود والطلاب والتجار وتكوينات الأحزاب الحديثة يطمحون إلى التغيير والحداثة والديمقراطية والعدل، كان الأحرار اليمنيون وكبار المشايخ (مشايخ الضمان) وبعض السياسيين الإنتهازيين وخصوم الإمامة الطامحون للحكم حريصين على إزاحة الأسرة المالكة (بيت حميد الدين)، والإبقاء على النظام كما هو هؤلاء. كانت خصومتهم مع الثورة بأهدافها الستة العظيمة، وبتوجهاتها القومية والديمقراطية والتوحيدية، هي الأساس، وكان تأييدهم مؤقتاً ومحدوداً؛ لحماية مصالحهم، ولاحتواء الثورة، وقد مثلوا منذ الأيام الأولى عامل كبح وإعاقة وفرملة للاتجاه الثوري، ومثلوا الثورة المضادة بجلاء.

لكي تكون القراءة جدلية ثورية وعميقة، فلا بد من تتبعها من منابعها الأساسية. فهي جزء أساسي من الثورة العربية نفسها؛ فالسادات نائب الزعيم عبد الناصر، ونماذج العراق وسوريا وليبيا واليمن، تدلل على أن الثورة المضادة جزء من ثورة، والبعض منها ثورة وثورة مضادة في آن. البراني ثورة، والجواني العميق ثورة مضادة بامتياز. تغييب إرادة الشعب، وفرض دكتاتورية عسكرية تصادر الحريات العامة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ثورة مضادة.

في اليمن، وفي الأيام الأولى للثورة، جرت تجاوزات جد خطيرة تتعلق بإعدامات بدون محاكمات، ونصب فخاخ للحرس الوطني، ومنح شيوخ الضمان درجة وزير كمجلس دفاع عن الثورة والجمهورية، والدور المعيق للثورة الذي لعبه كبار الضباط وقادة حركة الأحرار والمؤتمرات المبدوءة بالكويت، وانتهاء بالطائف الداعي لدولة إسلامية في حركة 5 نوفمبر 67، وسيطرة السعودية والإسلام السياسي على المناهج والتوجيه في الجيش والأمن، والحروب المتكررة في 72 و79، وحروب صعدة الست، والانقلاب ضد الحمدي من نائبه الغشمي، وإعادة صياغة الجيش والأمن على أسس قبلية وطائفية.

في الجنوب، ثورة الـ14 من أكتوبر نقرأها في العنف الثوري المنظم الذي قمع الحياة السياسية والتعددية السياسية والحزبية، وتصفية الخصم السياسي وصولاً إلى كارثة يناير 86.

سلطة صالح الـ33 عاماً كانت ذروة الإنقلاب ضد الثورة والجمهورية؛ فقد أصبحت القبيلة السلطة الحقيقية، وجُيّر الجيش والأمن لصالح القبيلة، وكانت حرب 94 ذروة تصفية ما تبقى من ثورتَي سبتمبر وأكتوبر، وألغيت مشاركة الجنوب.

ثورة الربيع العربي جرى الإنقلاب عليها من داخل نظام صالح. والذين حكموا الفترة الإنتقالية، طرفا الحكم طيلة الـ33 عاماً، انقسموا، ثم أعادوا التوافق على الحكم، وإلغاء الربيع اليمني. الانقلاب الثاني ضداً على مخرجات الحوار، ومشروع الدستور الديمقراطي قاده صالح و«أنصار الله» ضد ثورة الربيع بقدر ما هو أيضاً ثأر وانتقام، وتصفية حساب مع حلفائه.

فاليمن تعيش كشقيقاتها العربية الثورة والثورة المضادة المتعاقبة، منذ انطلاق هذه الثورات بخفاء ووضوح وبصورة فاجعة منذ هزيمة 67. وبقدر ما كانت مصر وحركات التحرر الوطني والاتحاد السوفيتي سنداً لهذه الثورات، كانت السعودية والاستعمار القديم والجديد سنداً ومحركاً للثورات المضادة.

إلغاء الحياة السياسية، وعسكرة الحياة، وتأبيد الشرعية الثورية، وتغييب الحريات العامة والديمقراطية أُسّ الثورات المضادة في الثورات العربية كلها.

 

التعليقات

التعليقات مغلقة.