Loading...

سوق الملح

كتب : الخميس 21-08-2014 00:51
صورة ريم عبد الغني

سوق الملح

ريم عبد الغني
لا بُدّ من صنعا وإنْ طال السفر وإنْ تحنّى كلّ عود وعقر
وها أنا في صنعاء… “أمّ اليمن وقطبها وإحدى جنّات الأرض” على حد تعبير الهمداني… “أتشرّب” روحها شيئاً فشيئاً…
و”روح” المدن القديمة متشابهة، شيء ما يستولي عليك ما أن تلج من إحدى بواباتها، وأجمل مكان تدخل منه صنعاء القديمة هو “باب اليمن”، مدخل صنعاء القديمة الجنوبيّ منذ مئات الأعوام.
تأمّلت الطابع المعماريّ الفريد للبوّابة العملاقة التي جُددت آخر مرّة على غرار “قصر دُلْما بهجة” بوّابة الباب العالي في اسطنبول، البناء الضخم يُشكّل -بلا شك- علامة فارقة في السور الحجريّ الذي يلفّ صنعاءَ القديمةَ بشكلٍ متعرّج (يُشبهُ شكَل الرقم 8 باللغة الإنجليزيّة أو بالأرقام العربيّة القديمة)، بطولِ أكثرَ من ستّة كيلومترات وارتفاع ثمانية أمتار.
من “باب اليمن” ألجُ عالماً طالما تقتُ إليه.. أعبره من خلال قسمه الأوسط، رفعتُ رأسي بشموخ وأنا أتخيّلني أحد فرسان جيوش الفاتحين التي انطلقت من خلاله إلى أصقاع الدنيا، أترجّل عن حصاني الوهميّ في ساحة تليه، تتفرع منها دروب صنعاء القديمة المرصوفة كلّها بالحجارة، كما ذكر ابن بطوطة “فإذا نزل المطر غسل جميع أزقّتها وأنقاها”.
وصنعاء القديمة -التي كانت محطّة أساسيّة على طريق التوابل بين عدن ومكّة الذي حلّ محلّ طريق “اللبان” شرقي اليمن والمشهور منذ عصور ما قبل الميلاد- طالما اشتهرت بأسواقها..
وفيها اليوم 48 سوقاً متخصصاً تضم أكثر من 1700 محلّاً تجاريّاً، ولكلّ حرفة أو بضاعة هامة سوق خاصّ بها، فهناك سوق البزّ أو القماش، وسوق الحرير، سوق المبساطة أو القملة (الملابس القديمة)، سوق اللقمة، سوق الخريف (الفواكه)، سوق العنب وسوق الزبيب، سوق القات، وسوق العلف، وسوق البقر، وسوق الحِبّ، وسوق الفتلة، وسوق الفضّة، وسوق النحاس، سوق الجنابي (الخناجر) وسوق العِسْوَب (الأغمدة)، سوق المخلاص، سوق النظارة، سوق الجديد وسوق الخياطة، وسوق الكوافي(أغطية الرأس(، سوق الحنّاء، سوق المصاون(البراقع والأقنعة) وسوق العطارة وسوق الجصّ (الجبس) والمفرقعات، ومن أشهرها وأقدمها على الإطلاق سوق الملح وهو أبهر قلب صنعاء.
“سوق الملح؟”، أسأل فوزيّة التي حاولتْ إضفاء وقار المعلّم على صوتها وهي تجيبني: “ربّما أتى الاسم من شهرة السوق بتجارة التوابل والبهارات”، ولكنني عرفتُ لاحقاً أنّ المؤرّخ محمّد أبو الحسن الهمداني في كتابه «الإكليل» أورد أن التسمية كانت في الأصل سوق المُلَح (بضم الميم وفتح اللام) أي سوق كلّ ما هو جميل ومليح، وصُحّفتْ التسمية لاحقاً وصارتْ سوق المِلح (بكسر الميم واللام).
روائح وألوان وأشكال وبشر تتدافع كلّها وسط أصوات تتعالى وتنخفض، زحام انخرط فيه وأعود مئات السنين إلى الوراء، فسوق هذه المدينة ما زال حريصاً على كثير من معالمه التاريخية وتكويناته الخاصة، منفصلاً بضوضائه عن هدوء وخصوصيّة الأحياء السكنيّة، وهو يحتفظ -ككثير من أسواق المدن العربيّة الإسلاميّة العريقة- ببعض حمّاماته القديمة، كحمّام السلطان, وحمّام شكر, وحمّام الطواشي, وحمّام الميدان, وحمّام الجلاء, وحمّام المتوكّل، وكذلك “سمسراته” أو خاناته السلطانية.
في صنعاء القديمة -التي طالما كانت مقصداً للتجار من داخل اليمن وخارجها- أكثر من ثلاثين سمسرة أو جُمرك، وهي ما نعرفه في دمشق بالخان أو مركز تجمّع البضائع والقوافل والتجّار، وكان لهذه السمسرات -كما كان لسوق صنعاء كله- قانون يعرف بـ “قانون مدينة صنعاء”، وهو مجموعة من الضوابط والقواعد المتعلّقة بأسواق صنعاء، الأسعار والأجور ومعايير الرقابة والجودة وتنظيم جماعات الحرف المتخصصة ومسؤوليّة العُقّال أو المشايخ وضوابط الأمن والحماية، وكذلك نظام شرطة خاص للحراسة برئاسة شيخ الليل، يضمن أمن السوق ومنطقته ليلاً.
وتجري في هذه السمسرات عمليّات التخزين والبيع والشراء والتبادل التجاري، بعضها كان يقوم بدور البنوك كتبادل وحفظ العملات الفضيّة والذهبيّة والنقود مثل سمسرة “محمّد بن الحسن”، وبعضها كانت نُزُل تُقدّم خدماتها للمسافرين والتجار ودوابهم وأمتعتهم مثل سمسرة “سمينة”، فيما تخصصت بعض السمسرات بتجارة سلع معينة مثل سمسرة “الشامي” المخصصة لبيع البنّ اليمنيّ المشهور، وكذا سمسرة الزبيب التي لاتزال حتّى اليوم تبيع مختلف أنواع الزبيب اليمنيّ المعروف بجودته، والذي يقدّم عادة للضيوف مخلوطاً باللوز البلديّ الصغير… وليس أطيب من طعمهما معاً.
أستمتع بقضم حفنة منهما دسّتها فوزيّة في كفّي، بينما أنقّل البصر بين تلال الزبيب المتنوّعة الألوان والأحجام المرصوصة أمام دكاكين الخان حولي.. فمن بين أصناف العنب اليمنيّة الكثيرة -التي تتنوّع أشكالها وألوانها ومذاقاتها وتزيد عن حاجة الاستهلاك- هناك أصناف معينة تُجفف لتُحوّل زبيباً يملأ الأسواق طوال العام، ويُصدّر بعضه إلى الخارج، أما الأعناب الأقلّ جودة فتُعصر في البيوت لإنتاج الخلّ أو منقوع الزبيب الطيّب ومشروبات شعبيّة أخرى.
وبالمناسبة فالعنب اليمنيّ من أجود أنواع العنب في العالم، وربّما لأنّه من أهمّ ما اعتيد جلبه من اليمن.. شاع المثل العربيّ الذي يُقال لمن عاد خائباً دون مأربه “لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن”.
ولأنّه موجود منذ القديم في هذه البلاد فهو متجذّر في تراثها وتقاليدها، ومعظم من كتبوا عن اليمن قديماً وحديثاً أوردوا ذكراً للعنب في كتاباتهم.. فهو يُطلّ من كل ما فيها.. حتّى من أغانيها وأشعارها ونقوشها.. واسمعوا الفنان أحمد قاسم يغني كلمات الشاعر علي محمد لقمان:
من كم تبيعوا العنب
حالي العنب حالي
وأصله عزيز غالي
يارازقي كم لنا في العمر نتمنى
نسهر على حبّنا بالعود والمغنى
وكذلك أبو بكر سالم حين يغنّي بكلمات الشاعر حسين المحضار:
صبر عالصبر ساعة عسى بعد الصبر تشرب من الحالي
والصبر عند العرب طاعة وعقب الصبر مضمونه
يازارعين العنب لِم تبيعونه
تُخبرني فوزيّة: “مذاق العنب اليمنيّ خاص وشهيّ للغاية، وبعض أنواعه حلوة الطعم إلى درجة أنّ العصفور قد يترنح أرضاً أثر تذوّقها متأثراً بتخمّر سكرها الشديد.. ولو جئتِ اليمن في يوليو (تمّوز) ستجدين في أسواقه مهرجاناً من أصناف وألوان العنب اليمني التي تنتجها المزارع المنتشرة في مختلف أرجائه، لا سيّما صنعاء التي تصدّر سنويّاً زهاء ثمانين بالمئة من الإنتاج اليمنيّ العام للأعناب، وكذلك منطقة صعدة ونواحي الجوف ورداع”.
ورغم صراعه مع القات، فعدد أصناف العنب الذي ما زال يُزرع في اليمن-وفقاً للموسوعة اليمنيّة – يصل إلى مايقارب الـ60 صنفاً، بألوانه الثلاثة الرئيسة العسليّ (الأبيض) والأحمر والأسود، والتي يندرج تحتها أسماء عدّة، ومن أشهرها البياض والعاصمي والجبري والرازقي(وهو المفضّل في صناعة الزبيب)، وقد قال فيه ابن الرومي يوماً:
ورازقي مخطّف الخصور كأنّه مخازن البلّور
ألين في اللمس من الحرير وريحه كماء ورد جوري
لو أنّه يبقى على الدهور لقرطقوه للحسان الحور
ومازال الرازقي ملك العنب، فبعد مرور ألف ومئتي سنة من ابن الرومي، ها هم اليمنيّون يتغنّون بالعنب الرازقي مع الفنّان فيصل علوي بشعر “القمندان”:
عـرف النـد والـعـود فــاح
بـاسـمـر هـنــا لـلـصـبـاح
وبـاشـلـك عـلــى عـاتـقـي
حـالــي واعـنــب رازقـــي
من سمسرة الزبيب إلى سمسرة الفضّة التي حرصتُ على زيارتها… ألسنا في مملكة الفضّة؟!
داخل المبنى القديم تمتعتُ بروعة الإبداع الحرفيّ التراثيّ اليمنيّ، هنا تُصنع وتُباع وتُشرى المصوغات والحلي والتحف والمشغولات الفضيّة التي استطاعت بمرور الزمن أن تصبح -على مستوى العالم- حرفة يمنيّة بامتياز.
أدخل دكاناً صغيراً، لا أرى البائع للوهلة الأولى، ثمّ -بعد أنْ اعتادت عيناي الظلّ- لمحته متربّعاً في الركن فوق البساط الملوّن الجميل الذي يتفننون بصنع أنواع عديدة منه في مختلف مناطق اليمن…
من وجنته المنتفخة أدركتُ أنني أمام القات، اللعنة التي تتبعك في كلّ مكان من اليمن.
يبدو البائع مسترخياً إلى درجة أنّه لم يأبه بقدومنا، حاولتُ أن أستفسر منه عن بعض المعروضات فصُدمت بردوده غير المشجّعة.
على الحائط لمحتُ خنجراً فضياً ذا حزام قماشيّ أخضر اللون مطرّزاً بأسلاك الفضّة، قلتُ لفوزيّة: “يمكن أن يكون هديّة جميلة أعود بها من صنعاء”.
“هل لديك المزيد من الجنبيّات؟”، بادرته وفي ذهني رؤية خيارات أخرى منها، لكنّه هزّ رأسه بالنفي مباشرة وقال: “ليس لديّ أيٌ منها”.
أصررتُ بدهشة وأنا أشير بيدي إلى الخنجر المعلّق أمامي “هاك واحد في الركن”.
ضاقتْ عيناه وهو يجيبني بعصبيّة حاسماً الأمر: “لا أنصحك بشرائه… فهو سيّئ الصنع”.
نزلتْ كلماته كالماء البارد على رأسي.. واشتعلتُ بالغضب.. كم يزداد كلّ يوم عتبي على القات ومآخذي ضدّه.
“عجباً.. بائع يرفض أن يبيع بضاعته؟”.. علّقتُ بامتعاض.
قهقهت صاحبتي عالياً وهي تدفعني خارجاً قائلة “انسي الأمر.. صاحبنا مخزّن (يمضغ القات)… لن يُغادر مكانه ليقايض نشوته بكلّ مال الدنيا”!.

*من كتاب (في ظلال بلقيس)

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.