Loading...

عالَم بدون “رجل في الشارع” علّم سكان الكوكب الشغف!

كتب : الجمعة 18-04-2014 01:34
صورة سامي غالب

عالَم بدون “رجل في الشارع” علّم سكان الكوكب الشغف!

سامي غالب

 

البحث عن “رجل في الشارع”، هو أروع ما قرأت لماركيز من مقالات، وفيه يحكي قصة 5 عقود من البحث عن رواية بوليسية قرأها في مطلع شبابه عندما كان صحفيا كلفه رئيس تحريره بزيارة بلدات خارج العاصمة الكولومبية وكتابة تقارير عن مشاكلها. في واحدة من هذه البلدات نزل في فندق رخيص ومهمل لا يوجد فيه سوى مالكه. عند منتصف الليل كان السام قد استبد به في غرفة رثة فنزل إلى الطابق الأرضي بحثا عن شيئ يقرؤه. أشار المالك إلى كرتون مليئ بالكتب المغبرة. اختار رواية بوليسية لكاتب ايطالي وعاد إلى غرفته. قرأها دفعة واحدة حتى الصباح وغادر إلى البلدة التالية.
أمضى ماركيز العقود ال5 التالية بحثا عن تلك الراوية التي التي نسي عنوانها واسم مؤلفها. كانت بمثابة فردوسه المفقود. سأل عنها في كل مدينة اوروبية زارها، وفي كل مهرجان أدبي حضره. سأل أصدقاءه الايطاليين، سأل معارفه من نقاد الأدب البوليسي. سأل ناشرين وروائيين وصحفيين، سأل عنها في كل مكان زاره وكل ذي صلة التقاه وما وجد ضالته.
قدم في ما يشبه الإعلان عن مفقودين، نبذة عن الرواية لكل شخص استعان به، وفي كل مرة كانت الخيبة تكبر والحنين يتمدد على جغرافية روحه.
بعد ان صار الروائي الأشهر في الكون كان قصارى ما قدمه إليه أصدقاؤه الايطاليون هو اسم المؤلف المرجح أن يكون صاحب الرواية التي تتحدث عن رجل يطارده شرطيان في شوارع المدينة. قيل له إن لهذا المؤلف العشرات من الاعمال البوليسية التي اشتهرت في العشرينات والثلاثينات من القرن ال20. كان بمثابة النسخة الايطالية من أجاثا كريستي.
في منتصف الثمانينات كان ماركيز (الأديب الأشهر وحامل نوبل) يستجمم في منتجع سويسري، وقد لاحظ أن رجلا يتجاوز التسعين يحظى ببعض من الاهتمام في المقعد المجاور له قبالة مسبح (أو بحيرة صغيرة). كان حدسه يتولى القيادة، وقد سأل النادل عن اسم جاره الذي أثار فضول الصحفي الذي كانه. نطق النادل بالاسم العزيز الذي أمضى قرابة 4 عقود بحثا عن روايته التي التهمها في ساعات في فندق رخيص خلو من الزبائن والمتع. وثب من مقعده إلى حيث يجلس الايطالي الطاعن في العمر. بضربات قلب مراهق يوشك على البوح لمعشوقته بمشاعره، قدم ماركيز نفسه إلى الرجل. ثم بحنين العمر كله سأله عن اسم الرواية التي كتبها وفيها قصة رجل مطارد في الشارع، وانتظر الجواب.
اطرق المسؤول براسه قليلا، ثم بنبرة متاسية على السائل أجاب: “لقد كتبت عشرات القصص، ولا اتذكر أنني كتبت رواية كهذه، ولعلي كتبتها لكن اسمها لا يحضرني“.
كان عليه أن ينتظر عقدا آخر قبل أن يهرع إليه صديق ايطالي حاملا أمامه “الكنز” المفقود. كانت تلك أهم جائزة تلقاها في حياته، وفي المناسبة كتب في منتصف التسعينات واحدة من أجمل مقالاته _ بل حكاياته_ على الاطلاق. كتب مقالا تناقلته مئات الصحف في العالم، يروي رحلة عمره في “البحث عن رجل في الشارع“.
***
لو طلب مني أن أصف ماركيز بكلمة واحدة لسارعت إلى القول: الشغف!
الشغف الذي يلف أعماله ويغلف أبطاله ويتغلغل إلى قارئيه.
***
إذا تناهى اسم ماركيز إلى سمعي يطل فورا سنتياغو نصار بطل “قصة موت معلن”. لا أجد تفسيرا للأمر سوى في كوني يمنيا!
منذ سنوات أشهد المرة تلو الأخرى، بلدا بأكمله يصرع على المنوال نفسه.
***
من يملك ان يغمض عينيه وينام كما في كل ليلة في عالم غادره، للتو، الرجل الذي صاغ وجدان عشرات الملايين على صور أبطاله؟
من يملك أن ينغمس في روتينه كأن شيئا استثنائيا لم يطرأ في عالم “روائي في الشارع” كانه جابرييل جارسيا ماركيز؟
من؟

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.