Loading...

عودة الروح إلى الثورة المصرية

كتب : الجمعة 30-05-2014 03:55
سحر مندور  صورة

عودة الروح إلى الثورة المصرية

سحر مندور

عادت عوارض الضحك تظهر على مصر المعارضة، في الوقت الذي لم يتوقعها أحدٌ فيه، وهذا قد بات معتاداً في مصر الثورة. ومثلما اعتدنا خلال الثلاث سنوات ونصف الماضية، فإن في ظهور الضحك مستهلّ الطريق (الطويل جداً) نحو المرحلة التالية من التغيير المستمر. إذ ضحكت مصر على حسني مبارك علانيةً قبل خلعه بعقدٍ من الزمن تقريباً. وضحكت على محمد مرسي منذ كلمته الأولى التي أرادها «مهيبة» تستنهض روح الإجماع حوله. ولم يطل بقاء عبد الفتاح السيسي كرقمٍ صعب في المعادلة، رغم تمتّعه بالذراع العسكرية والرافدة الإعلامية والحصانة الشعبية و«الحرب على الإرهاب». تراه يدخل مطحنة الانتخابات الرئاسية، ويخرج منها ظافراً بالمنصب طبعاً، لكن أيضاً بحفلة النكات حول ضعف المشاركة في الانتخابات، وبفيضان الفيديوهات الساخرة من متلازمة الرومنسية والشعبوية في أغنية «بشرة خير» (حسين الجسمي) التي تدعو المصريين للمشاركة في الانتخابات.
وبينما توقّع المرء مهرجاناً سيسيّاً في الأيام الانتخابية، خاصة بعد نتائج التصويت في الخارج، فإن أيام الانتخاب الثلاث «ردّت الروح» إلى المشهد المعارض.. ومن كان ليتوقع ذلك.
فعلاً، يريدونه
الكوميديا هي العارض الذي يشير إلى حدوث شيء ما، في المشهد المصري. ولكن هذا «الشيء» سيبقى محصوراً بمجموعة واسعة لكنها تبقى أقلية ضمن ملايين المواطنين. هؤلاء الناس، تلك «الأقلية» اليوم، تحوّلت إلى أكثرية في 25 يناير. فهي، قبل 25 يناير، كانت تنزل إلى الشوارع بقلّتها، رافعةً هتافاً بدا كالحلم واتضح لاحقاً أنه قابل للتصديق: ثورة ثورة حتى النصر / ثورة في كل شوارع مصر. امتلأت شوارع مصر بالناس أكثر من مرة، إلا ان النصر هو موضع الاختلاف: هناك من وجده في استبدال وجه حسني مبارك بوجه الجماعة «المنصورة» («الاخوان المسلمين»)، وهناك من صمّمه على قياس الخروج من مأزق حكم «الاخوان» عبر العودة لاستقرارٍ سابقٍ له («حزب الكنبة»)، كما أن هناك الفئة التي سارت وحدها أولاً بهذا الهتاف في الشارع، لا تزال تنتظر نصرها باكتمال الشعار الملِك: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية.
وبالفعل، فإن تحقيق نصر هذه المجموعة هو الأصعب. إذ ينمو ليقطع مع حالٍ ويبشّر بأخرى. فنصرها لا يقوم على استعادة ما كان بقالبٍ جديد (أو من دونه حتى)، وإنما هو يملي انتقالاً بالمجتمع من وضعية توكيل مسؤولية الذات إلى «ولي الأمر»، «الأب الراعي»، «الديكتاتور العادل»، «البطل المنقذ» (الدَكَر، في حالة السيسي)، إلى وضعيةٍ يحمل فيها كل مواطن حصّته من المسؤولية الجماعية عن حاله وحال المجتمع: لا يسلّم «الدفّة» للريّس الملّاح، ويغمض العينين حتى يبلّغه الريّس ببلوغ «برّ الأمان». هي وضعية من اعتاد على حال، ولا يريد تغييره: لسنا كأوروبا، هذه خصوصيتنا، نريد رجلاً يحكمنا، نريد بطلاً نثق به، … فتراهم الأشد شراسةً في رفضهم لحالٍ يكون فيها «الأب» موضع محاسبة ومساءلة، قابلاً للتغيير، وخاضعاً لوجود معارضة. فكثيرون شعروا بالإهانة الشخصية لأن باسم يوسف (وسواه) تجرأوا على معارضة السيسي، ولو بنعومة. وكثيرون اهتاجوا ضده، طالبوا بمنعه، «ردحوا» له في الشوارع ذوداً عن الذات العسكرية والرئاسية.
لذلك، فإن نصر دعاة التغيير الفعليّ هو الذي سيتطلب وقتاً. فهو يتطلب إحداث تغييرٍ في المجتمع، في مقاربة المجتمع لنفسه أولاً، ثم لمواقع الإدارة فيه، ثم لإمكانية حياةٍ مختلفة لا تقوم على الخوف والتعب وغرائز الموت. فالأكثرية نزلت إلى شارع الثورة طالبةً تغيير «الأب»، وليس إلغاء النظام الأبوي. ولذلك، فإن ثورة 25 أوضحت المطلب بحياةٍ مختلفة، لكن، بعدها، تسلسلت الأحداث لتعيد «الهيبة» للحياة السابقة. قد يُقال إن الأكثرية تعرضت لخديعة، لجهة إتاحة حرية إعلامية حادّة في زمن محمد مرسي القصير تظهّر مصائبه هو وجماعته، والارتقاء السحري بأرقام «تمرّد» من مئات الآلاف الموقعين إلى عشرات الملايين، و… لكن، بغض النظر عن «الخفيّ» كله، لم تُقْدم الأكثرية في المجتمع المصري على خطوةٍ خارج قناعاتها. لم يغرّر أحدٌ بها، وإنما هي ملأت الصورة بنفسها، كما تشتهيها أن تكون. ليس الراقصون والراقصات على شوارع الانتخابات كاذبين، وإنما هم صادقون إلى أقصى حدّ. هم يريدون «الدَكَر».

كوميديا ضد الدغدغة

الناس يريدون «وليّ الأمر»، فأتاهم وليّ الأمر. في 30 يونيو، كان خطاب السيسي (ومؤسسته العسكرية) يسعى للفوز بدور البطولة في فيلمٍ لم تتضح قصته بعد. فاستخدم لغة تناسب كافة التموّجات الكامنة خلف الغموض، تلغي الطموح السياسي للمؤسسة العسكرية، وتستبدله بدورٍ وطني طارئ تراها مضطرة عليه. فاز الجيش ببطولةٍ حينها، وفاز قائده بحصانةٍ مرعبة، على قاعدة أن الجيش هو امتداد لذراع المجتمع ضد الديكتاتور الصغير. لكن، بعدما اتضح بالعين المجرّدة أن الناس يريدون «ولي الأمر» وليس «الرئيس الموظف»، إن من باب «استثنائية المرحلة» أو من باب «نحن هكذا»، بدأ وليّ الأمر بمداعبة الغريزة الوطنية الشعبية، عبر تكريس متلازمة الحب والصرامة، حتى استعاد الجيش ما تأكد من أنه لم يخسره، أي موقعه كـ«ريّس»، وما عاد للكلام السياسي الحذِر ضرورة: نحن الرئاسة، وإياك أن تقول كلمة «عسكر» يا مذيع.
وكاد مشهد هذه المرحلة يقفل على إحباطه بالنسبة إلى الجماعة الساعية إلى التغيير الفعليّ وليس تغيير وجه الحاكم، لولا الانتفاضة الصغيرة الأخيرة. ساءت الأمور كثيراً قبل يومي الانتخابات، إذ عادت الأكثرية لممارسة دورها الذي تلقنته حتى أتقنته ثم تبنّته فما عادت ترى فيه تلقيناً وإنما مبادرة خالصة: قمع المعارضة. أيام مواجهات وزارة الداخلية (شارع محمد محمود)، أهانت الأكثرية الشباب الباقين على ثورتهم الساعين لمشاركة المجلس العسكري في صياغة المرحلة الانتقالية. اتهموهم بالشغب والفوضى والعمالة والرشوة، وطبعاً اتهموهم بالجنس لأن الجنس تهمة في مصر. ثم عادت الأكثرية واحتفت بمن وافق رأيها منهم، لجهة رفض «الاخوان المسلمين»، علماً بأن الجيش ضمناً بارك هذا الموقف. فكانت الأكثرية الخائفة حينها (ودائماً) تسعى لحماية حتى الجيش من «الجماعة»، من دون التنازل عن «الفخر بقواتنا المسلحة، عاشر أقوى جيش في العالم، إلخ». وها هي اليوم تقف مع الجيش وبطله مجدداً ضد هؤلاء الشباب، تسخّف وصف «النشطاء»، تتهمهم بالتهم المعتادة، تصيح الأصوات على التلفزيونات ضدهم، تشرئب الأعناق وتتدفق الدماء في العروق، وأبسط ما يوصفون به هو الهبل السياسي لجهلهم معنى خطر الإرهاب.. علماً بأن لا جديد تحت شمس هذه السلطة، إن لجهة الخوف من الشرّ الأعظم ذاته («الاخوان»)، أو لجهة الآمال والطموحات و«هذه المرة غير كل مرة».. بدليل الأغاني.
وتقع في مكانها هنا أغنية «بشرة خير» لحسين الجسمي، وهي أغنية تدعو للمشاركة في الانتخابات وتنهل من أسلوب الدغدغة الوطنية السائد منذ عقود في مصر: ضع رشّة حب ومسؤولية وحنان في موّالٍ سريع، واقفز منه إلى الإيقاع بكلمات سريعة تحفّز النبض والأدرينالين، ويا حبذا لو تصيب التعداد المقدّس لأسماء المحافظات المصرية والتغنّي بخصال بسيطة ثابتة مستمرة لأهل كلٍّ منها. هو المقرّر في درس الغريزة الوطنية المصرية، حتى محمد مرسي سعى لدغدغة المصريين بواسطته في خطابه الرئاسي الأول، يوم ذكر أسماء المحافظات، وأضاف إليها أسماء المهن. «رومنسية» علاقة المصريّ بالجيش، وجدت لغتها في هذه الأغنية. وهنا تحديداً، وجد الثوّار مدخلاً للكوميديا، وهو بالذات مدخلٌ للدولة الجديدة التي يحلمون بانجازها يوماً: أن تتحرّر من هذه العلاقة الغريزية بالانتماء. أن تتخفّف من شوفينية دفاعية تضع العظمة التاريخية والطيبة الشعبية في مقابل سوء الحال وتدهور الحياة في مصر. أن تكسر دوامة الماضي السائدة، ثم تسترق النظر إلى الإمكانيات خارج العلبة.

«فُتْناكو بعافية»

فجأة، ومن دون سابق إنذار، «فاض» بالشباب على مواقع التواصل، وانطلقوا من فيلمٍ ساخر واحد ليصنعوا العشرات لا بل المئات من الفيديوهات والصور التي تخاطب اليوم الإنتخابي، والغريزة الوطنية، والرقص في الطابور، والهيصة في الحب السياسي، و… في الفيديوهات، تراهم استخدموا أحياناً الثقافة الشعبية السائدة ذاتها في معرض نقد هذا الجزء منها، كمشاهد لعادل إمام واسماعيل ياسين وفيفي عبده…، تضع صورهم متألمين في موّال الأغنية قبل أن ينفجروا رقصاً في متنها. وفي ذلك مكمن ضحك كبير، وهدفٌ نقديّ موفق. كمن يستخرج السخرية من قلب الرومنسية الوطنية، كمن يوضّح السخرية الكامنة في هذه الرومنسية. كمن يردّ البضاعة للتاجر. كمن يبتسم في وجه عريف الحفل المنفعل، ويقول له: فُتْناكوا بعافية. وأيضاً، كمن يطهّر نفسه مما تراكم في نفسه من عادات وغرائز لطالما خدمت في إرساء الصمت عن حالٍ مأساوية.
بعد طول إحباط وانفعالات غاضبة وشتّامة تعبّر عنه، خرج الشباب خلال الأسبوع الانتخابي ببطاقة سفرهم نحو المعارضة المتينة، بقيادةٍ سياسية أو تسبقها كما حصل في المرة الأولى، وعلى الدرب ذاته. فالصورة التي تغيّرت على جدارٍ بقي أصفر، باشرت برسم الخطة القديمة إياها، حتى قبل ظهور نتيجة العرس السعيد: الإعلام عاد إلى تخوين كل من لا «يحبّه»، السجن عاد ليخنق كل من تظاهر ضد قانون التظاهر مثلاً، أحكام بألف إعدامٍ ونيّف، …
وبما أن التجربة برهنت إمكانية نسبية في مواجهة الحاكم (ستتضاءل حكماً في حالة الجيش وسيطول أمدها)، فإن التحدّي الأساسي أمام المرحلة المقبلة لا يقتصر على تجييش الرأي العام بالمعلومات والتحليل ضد «النظام»، وإنما أيضاً ضد الذات المجتمعية. فقد بات من الواضح أن مواجهة هذه الأكثرية التي تصون النظام، وتلعن معارضيه وتفرمهم، ثم ترقص له في الشوارع، باتت واجباً. مواجهتها ليست بالأسماء البديلة، وإنما بالأفكار البديلة. مواجهتها، بتبيين معانيها، وتبيين الرفض الصريح للمعاني خلف الوجوه. ليست مسألة مبارك ومرسي، وإنما هي مسألة نظام سياسي واجتماعي وأخلاقي وديني له معارضةٌ جذريّة ومتينة.
اليوم، تتجهّز الثورة المصرية لتخوض أصعب خطواتها نحو الحياة الكريمة. فمواجهة المؤسسة العسكرية هي اصطدامٌ بموروث الذات المصرية العميق، بحسّ الأمان لديها، بحسّ الاستسلام لوليّ الأمر، بنفسيّة «نفّذ ثم اعترض»، معادلةٌ تحتفي الأكثرية بنصفها الأول وتبادر إلى إسقاط نصفها الثاني (تجربة رفض قانون التظاهر، مثلاً). هي المواجهة الأصعب التي أجّلتها ظروف الثورة المصرية قليلاً.. وقد بات من الجليّ أن لا مفر منها.

(السفير)

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.