Loading...

“غدا سأبلغ الثامنة والأربعين… “

كتب : الإثنين 22-02-2016 12:05
صورة ريم عبد الغني

“غدا سأبلغ الثامنة والأربعين… “

ريم عبد الغني
الخميس 19-2-2016
تلفتتْ صديقتي حولها بقلق، كأنني بحتُ للتوّ بسرّ خطير…
“لا ترفعي صوتك”…
ضحكتُ وأنا أقول: لكنّها الحقيقة. وأنا أحبها …. الأربعون هي العشرون الثانية. العشرون الأجمل”
****
صديقة لي.. أستاذة جامعية، أخبرت طلابها أن عمر المرأة لا يتجاوز الثلاثين أبداً… فبعد الثلاثين تعود إلى 29 ثم 28 إلى ال25 ثم تعاود الصعود ثانية إلى الثلاثين وهكذا… تنوس المرأة أبداً بين ال25 وال30…
وفاجأها أن يرتفع صوت من نهاية المدرج يسأل: “دكتورة.. كم مرة سرت جيئة وذهاباً على تلك الطريق؟”….
لحسن الحظ أني لم أتورط في ذلك السعي بين عمر ال25 وال30، بل أستغربُ من يقول ليتني أعود إلى العشرين… هل أضحي بكل ما تراكم لديّ من أحاسيس وأفكار وذكريات وأصدقاء عشرين سنة كي أعود أكثر نشاطاً وبهاء ولكن في المقابل أقل خبرة ونضجاً وحساسية؟
أحب كل ثانية مضت حتى أكثرها الماً. لاني لستُ إلا كلّها مجتمعة. ولا أقايض الحاضر بالماضي، ولا حتّى بالأمس.. فكلّ لحظة تمرّ تزيدني استيعاباً للحياة وقابليّة لتذوّق جمالها..
بمرور الزمن .. يشرق القلب بالمعرفة.. ندرك قيمة الحياة، وقيمة أنفسنا والآخرين.. نتعلّم كيف ننفق أيّامنا بحكمة….
******
الزمن أمر نسبي… وقلة ينجحون في تجنّب شراك رماله المتحركة ..
الموت والحياة يكمنان في داخلنا.. وثقافة العمر الافتراضي تئدنا أحياء.. حين يقرر معظمنا في ذروة النضج أن يكونوا أحياء ميتين أو ميتين أحياء،.. يتجاهلون أن داخل العقل آتون حياة لا ينتهي… يعدنا بالسرمدية لو فهمنا أن من حقّنا أن نعيش.. وكيف نعيش..
فكّروا معي… من وضع هذا الميزان الدقيق لما لا يقاس بالمسطرة ؟.. هناك من يشيخ في العشرين وهناك من يبلغ قمّة تألقه في الستّين.. وفي كل الاحوال لا يكتمل المرء عادة -ولو ظهرت لديه “أضراس العقل”- قبل عمر النبوّة.. أي الأربعين…
وصديقنا الأستاذ محمد قجة يقول:
قد يهرم القلب في غراء صبوته وقد تشيب الرؤئ والقلب لم يشب
ولكننا … حين يملأنا زهو الشباب.. لا نعرف… ومن فاته أن يملأ الداخل.. لن يرى مع الزمن إلا تغيّرات الخارج..
ومن يرقب بقلق ظهور التجاعيد أو اعتراضات الجسد هنا وهناك… سيعاني بالتأكيد ما يسمّونه بأزمة منتصف العمر…
وماذا لو ذبل الجسد؟ الجسد هو أقل ما فينا أهمية…. قشرة “تبدو” وكأنّها تغلّف عوالمنا….
الجسد هو”شورتكات” بلغة الكومبيوتر، أي إشارة اختصار لا أهمية لها، إلى الإنسان ذاته…. روحه وعقله وأحاسيسه… ذكرياته وأحلامه…
نحن نشيخ من هنا.. من العقل.. هذا الجهاز الخارق الذي يبرمج -بمعرفتنا أو بدونها- كلّ شيء.. العقل.. ألسنا نُساق بالعقل إلى الحياة وبالغريزة إلى الموت ؟…
*****
كان أبي رحمه الله يخبرني دائماً قصّة، أتظاهر كلّ مرّة بأنها الأولى التي يتلوها بها عليّ، والقصة تقول أن رجلاً مرّ بقرية ولاحظ أن شواهد قبورها تحمل أرقاما غريبة
فلان عاش يوماً.. فلان عاش اسبوعاً.. فلان عاش عشرة أيام وهكذا،..
وشرح له عابر من أهل القرية أنهم لا يحسبون من حياة المرء إلا لحظاتها الحلوة.. ثم قاده إلى قبر لم يجف بعد.. وقال: “مات جبر المسكين بالأمس عن تسعين عاماً، وعلى شاهدة القبر كُتب:
هنا يرقد جبر
من بطن أمّه إلى القبر
أي لم يعش من التسعين عاماً ساعة حلوة واحدة..
كان أبو فارس، الذي خبر الحياة، يضحك في كل مرة يروي القصة، وهو يعيد الفكرة علّني أعتنقها: “المحسوب من عمر الزمن ماذا؟. الساعات الحلوة..”
لا تفوّتوا الساعات الحلوة… بل اخلقوها… فهي نور من الداخل.. بغضّ النظر عن الظروف أو الهموم.. ارفعوا عنه الحجب وتوهّجوا… فنحن الشموس الأحلى…ونحن من نقرر أن نبزغ أو نأفل…
*****
“سألونا وين كنتو.. ليش ما كبرتو انتو… منقلون نسينا…. يا دارة
دوري فينا…”
لننسى…لننسى مثل فيروز وأصحابها أن نكبر…
نفس عميق وابتسامة… الزمن لا يهزمنا ما دمنا نبتسم للحياة.. وما دمنا نحب.. نحب الله.. نحب الدنيا.. نحب الوطن.. نحب البشر و…نحب أنفسنا أيضاً… أجل…أحبّوا أنفسكم اليوم أكثر مما مضى لأنّكم اليوم “أنتم” تلك وأكثر… .
وتذكّروا:
عمري بروحي لا بعدّ سنيني فلأهزأن غداً من التسعين
عمري إلى السبعين يركض مسرعاَ والروح باقية على العشرين
*****
في عيد ميلادي -بعكس المعتاد- أعايدكم أنا…
كلّ عام وأنتم أحبّائي بألف خير…. كي أبقى بخير..

ريم

لوحة
* اللوحة للفنان عبد القادر النائب

 

التعليقات

التعليقات مغلقة.