Loading...

في “قلعة” صنعانيّة

كتب : الثلاثاء 28-10-2014 10:54
صورة ريم عبد الغني

في “قلعة” صنعانيّة

د. ريم عبد الغني

في دروب صنعاء القديمة… أمشي مأخوذة بعمارتها.. أحاول بكل حواسي استيعاب طوفان التفاصيل الخلاّقة… فأفقد التركيز على خطواتي وتتوه قدماي عن مواطئها.. وتسندني ذراع فوزيّة لتعيد لي توازني..
لدور صنعاء القديمة جاذبيّتها الخاصة، وطابعها المعماريّ الفريد، واجهات “مزنّرة” بأحزمة بيضاء وموشّاة بزخارف هندسيّة رائعة، تتخللها نوافذ تتوّجها أنصاف أقمار محلّاة بالزجاج الملوّن، كأنّها صورة زمن جميل قد مضى.. زمن المباني العظيمة كقصر “غُمدان” و”القليص”، أكثر من أربعة عشر ألف منزل، يتجاوز عمر بعضها الخمسمئة سنة، جميعها عامرة بالسكّان.. أين نجد مكاناً آخر من العالم يضم كل هذه المساكن الحيّة بالتقليد القديم ذاته؟، لهذا وغيره أفهم أن تكون مثار فخر اليمانيين بل والعرب، وأن يردد شاعر كعباس الديلمي:
من قال صنعاء حوت كل الحلا والوسامة
وكل معنى حسن
قال الحقيقة وهي من قبل هذا علامة
على جبين الزمن
أمام بيت صنعانيّ نقف أنا وفوزيّة.. نطرق الباب وما منْ مجيب.
مستخدمةً “المدقّة” (القطعة الحديديّة المنقوشة الثقيلة المعلّقة وسط الباب الخشبيّ القديم المزيّن بالمسامير النحاسيّة)، تعيد فوزيّة الطرق بإلحاح غير آبهة باعتراضي.. كدتُ أشكّ أنّ أحداً في الداخل لولا بعض النوافذ المفتوحة في الطوابق العلويّة…
أخيراً، يتناهى إلينا من الداخل صوت نسائيّ هرم يصيح بحنق ما يُعتبر شتيمة صنعانيّة تقليديّة “جنيّ”، والجيم بالمناسبة تُنطق في بعض مناطق اليمن على الطريقة المصريّة كما في عدن، أما في حضرموت فتُنطق ياء كأن تقول”ريّال” بدل “رجال”، أما في صنعاء فينطقونها جيماً معطّشة (كلهجة أهل حلب في سورية) ولذلك فقد خرجت كلمة “جنيّ” قوية وأفزعتني.
التفتُّ مذعورة إلى فوزيّة التي أمسكت بي مبتسمة إذ هممتُ بالمغادرة، وتمتمتْ وهي ترفع كتفيها وتغمض عينيها وتقلب شفتيها بلا مبالاة “عادي” أي هذا أمر طبيعي، و”عادي” بالمناسبة تعبير تسمعه باستمرار في اليمن كلّما سألت عن أمر غير عادي!.
الباب يُفتح، أم عبد الله تستقبلنا بابتسامة لطيفة لا تتناسب إطلاقاً والكلمة التي “رمتنا” بها قبل قليل، وهذا أيضاً –في اليمن- “عادي”… فاليمنيون يتميزون بمرونة عجيبة في الانتقال من حالة نفسيّة إلى أخرى تناقضها تماماً..، والطيبة والتسامح طبع متأصّل فيهم، يختلفون إلى حد نيّة القتل أحياناً, ثم يسامحون بعضهم بعضاً في دقائق، استغرقتُ سنين لأفهم هذا الأمر، وطالما أذهلتني اللقاءات الحارّة وعناقات من كانوا بالأمس القريب أعداء ألدّاء، ألا نستطيع -من زاوية ما- اعتبار هذا رقيّاً وتسامحاً لا يُحسن الكثيرون ممارسته؟.
انحنينا قليلاً لندخل من الباب المنخفض الارتفاع كمعظم أبواب بيوت صنعاء القديمة، تسلّقنا الدرجات العالية للدرج الضيّق الذي يلتفّ حول دعامة حجريّة ضخمة، يعتريني الانطباع الذي يستولي-منذ اللحظة الأولى- على زائر هذه الأبنية الصنعانية الأصيلة، فما إنْ تدخل أيّاً منها –صغيرة كانت أم كبيرة- حتّى تشعر أنّك داخل قلعة عسكريّة, تكوينها مصمم للدفاع عن نفسها, وبحيث تتوفر فيها عناصر الاكتفاء الذاتي التي تؤهلها لمواجهة أيّ حصار طويل، وفي مواضع عدّة من الواجهات تُرى فتحات تهوية ضيّقة للغاية, هي أساساً للرصد وإطلاق الرصاص على المهاجمين.. فكّرتُ أنّ غياب الشرفات في المنازل الصنعانية ونوافذها الضيقة تعكس حتماً تفاعل ساكنيها مع المناخ والظروف والتقاليد الاجتماعيّة.
نخترق بيت أم عبد الله صعوداً، من الطابق الأرضيّ (الحرّ أو الدهليز) –الذي بُني من الأحجار الصلبة (الحبش) والمستخدم كمخازن أو حظائر لإيواء الماشية ولوازمها، إلى الدور الأوّل –والطوابق العلويّة تبنى عادة من الآجر والطين- وفيه الديوان أو “الصالة الكبيرة” التي تستخدم للمناسبات الاجتماعية، ثم الدور الثاني وهو مكان “الوسط” المخصص للاستخدام اليوميّ، مروراً بباقي الأدوار العليا حيث الديمة (المطبخ) وإقامة العائلات ومرافقها المستقلّة، وصولاً إلى غُرف الاستقبال (“المفرج” أو “المنظر”) التي ينتهي البناء الصنعاني بها عادة…
حمدتُ الله أنّ درج بيت أم عبد الله انتهى بمفرج في الطابق الخامس، فبعض بيوت صنعاء يصل ارتفاعها إلى ثمانية أدوار.. خلعتُ حذائي اسوة بالسيّدتين اليمنيتين قبل أن أخطو فوق سجّادة الغرفة المتطاولة، ومن خلال نوافذها الواسعة المنخفضة التي تعلوها قمريّات جصّية معشّقة بزجاج زاهي الألوان ينشر اشعّة الشمس أقواس قزح داخل الغرفة، بدا المشهد المتفرّد لأبنية صنعاء القديمة وبساتينها.
نطلّ من هنا على الجزء الشرقيّ والجنوبيّ الشرقيّ من المدينة التاريخيّة، القسم الذي ما زال عامراً بسوره وتراثه وأهله وطابعه القديم… أمّا ما بقي من مباني الأجزاء القديمة الأخرى من صنعاء القديمة فقد تناثر في عدد من المناطق الواقعة وسط صنعاء الحديثة، ليمزج نسيجها بين الحديث والقديم.
فبعد قيام الثورة اليمنية عام1962م/1381هـ، امتدّت صنعاء خارج أسوارها دون اتباع مخطط عمرانيّ يجاري طرازها المتميّز، أُهملت بعض البيوت التي هجرها أصحابها وتغيّرت بعض وظائف بيوت أخرى، فشرعت منظّمة اليونسكو منذ عام 1980م/1400هـ في حملة دوليّة لصونها والحفاظ على معالمها وطابعها المعماريّ وإبراز تراثها الحضاريّ، وحققتْ الهيئة العامّة للمحافظة على المدن التاريخيّة Gophcy -التي تأسستْ عام1987م/1407هـ إنجازات لحماية صنعاء القديمة، استحقّت عليها جائزة الآغا خان 1995م/1416هـ ، وأُهّلت صنعاء القديمة لمجابهة تحدّي المدنيّة الحديثة، ليس من خلال دعم عمليّات الصيانة والترميم فحسب، بل وإعادة تأهيل وتنمية مجتمعها من مختلف النواحي، مما ساهم في تشجيع المواطنين على العودة إلى مدينتهم القديمة التي كانوا قد هجروها منذ عام 1970م/1390هـ .
في غيبة أمّ عبد الله التي هرعتْ تأتينا بالقهوة، تخبرني فوزيّة أن المفرج -حيث نجلس- يُعتبر أفخر مكان في المنزل الصنعانيّ، وهو عادة في أعلاه, ويتّجه إلى الجنوب ويُقال إنّ ذلك أسوة بقصر غُمدان، و”المفرج” و”المنظر” (والأوّل أكبر مساحة من الثاني) كلاهما يُستخدمان للجلوس والسمر وتخزين القات, وتدور فيهما الحوارات وتُلقى قصائد الشعر والنثر, وتُعقد الاجتماعات والمناسبات الثقافيّة.
أم عبد الله تصبّ القهوة اليمنيّة في القلسات(الأكواب) فتفوح رائحة البن الشهيّة.. والبن اليمني -بمناسبة الحديث عنه- هو أجود أنواع البن قاطبة، وقصتّه الشيّقة بدأت قبل ثلاثمئة عام حين تعرّف إليه العالم عبر كتابات الرحالة والمستشرقين في بداية القرن الثامن عشر, وبشكل خاص ما كتبه الفرنسي دي لا روك، والدانماركي كارستن نيبور، والاسباني دومينجو باديا اي ليبليش، من يومها بدأ العصر الذهبي لتجارة البن اليمني وطفرة الانتشار الهائل لشرب القهوة التي غدت مشروباً عالمياً معروفاً في النصف الثاني من القرن العشرين.
ومن منطقة “بيت الفقيه” -قلب النشاط التجاري للبن وأهم مصادره – إلى ميناء المخا.. ثم على السفن العمانية… بدأ شريان البن يتدفق إلى مسقط و جدّة و مصر وأصقاع الدنيا.. ليجلب لليمن السعادة والوبال معاً.. إذ جاءت مع المال الوفير الأطماع أيضاً…
تمدّ أم عبد الله لي يدها بكوب القهوة: “اقرئي معها الفاتحة عن روح الشاذلي والخاملي وكلّ صالح ولي”.
أتناوله بامتنان, وأنا أفكر بجملتها التي يتناقلها اليمنيون عبر الأجيال, مؤكدين أن الإمام الشاذلي هو أوّل من شرب القهوة، فقد شُربت القهوة في أوساط المتصوفين الشاذلية في اليمن أولاً، ثم-مع انتشارها- لم تبد البيوت مكاناً مناسباً لإعدادها, خاصة أنّها قامت على فكرة الشرب الجماعي لها، مما دعا إلى إقامة أماكن عامة لشربها سمي واحدها “مقهى” أو “مقهاية”، كما يُطلق عليها في اليمن, حيث انتشرت بكثرة وكذلك في الجزيرة العربية(خاصة مكة والمدينة) وعلى طرق المسافرين، ويعتبر بوركهارت أن اليمن هو الوطن الأمّ للقهوة كمشروب, ومكّة هي الوطن الأمّ للمقاهي التي يقسمها بحسب الطبقة الاجتماعية لمرتاديها، كما يصفها نيبور وبوركهارت باستفاضة, متحدثين عن اهتمام الأتراك ببناء المقاهي على الطرقات والربح من ضرائب بيع البن.
وعموماً فاليمنيّون يحضّرون القهوة من قشر القهوة ويُضاف إليها الزنجبيل وأحياناً القرنفل والهيل، ولكلّ منطقة في اليمن أسلوبها في تحضيره، ولكن أشهرها القهوة البيضانيّة (نسبة لمحافظة البيضاء) التي تجمع بين القشر واللبّ وحبّ الذرة لتخفيف مرارتها وكذلك الهيل و”الطعم” (الزنجبيل)، ويقدّمونها ساخنة ممزوجة بالمكسّرات والزبيب والحليب غالباً.
أتلذذ بارتشاف القهوة الدافئة.. واحدة من متع كثيرة قد أكون حُرمتها في “حيواتي” الماضية، ففي بداية القرن التاسع عشر كتب بوركهارت عن دهشته من أنّ “نساء حوران يشاركن الرجال شرب القهوة وهذا أمر غير مسموع عنه في كل جزيرة العرب إلا في بعض مناطق اليمن”، ومن المعروف أن الجدل حول تحريم القهوة أو تحليلها قد دار طويلاً إلى أن حُللت أخيراً لحسن الحظ.
مذاقها الطيّب يفسر ولع الدنيا بها، وأن تشغل حيزاً في تراث اليمن الثقافي، كالشعر الحميني مثلاً … ومنه قصيدة “البن والحب” للشاعر والمؤرخ مطهر الارياني:
طاب الجنى يا حقول البن بأحلى المغاني
يا سندس أخضر مطرز بالعقيق اليماني
يا سحر ما له مثيل في الكون قاصي وداني
ما أحلى العقود القواني في الغصون الدواني
بن اليمن يا درر يا كنز فوق الشجر
من يزرعك ما افتقر ولا ابتلى بالهوان
لم أكنْ أستوعب الكثير من الحديث الدائر بين فوزيّة وأم عبد الله باللهجة الصنعانيّة السريعة الإيقاع, وما يرافقها عادةً من إيماءات الرأس واليدين.. ولم يكن ما تقولانه يعنيني كثيراً إذ كنت مستغرقة في تأمّل ما حولي.. أستثمر فرصة ذهبيّة أُتيحت لي لاستكشاف أحد الأبنية الصنعانية -التي طالما أثارت فضولي وإعجابي- من الداخل.
جالتْ عيناي فوق الجدران التي زُخرف أعلاها بإطارات الجصّ الجميل.. تكويناتها وألوانها حرّضت في ذاكرتي ما قرأته وسمعته عن البيوت القديمة في صنعاء.. فتلفتُّ أبحثُ عن الباب السرّي، إذ يُقال إنّ في معظمها أبواباً مخفيّة لأمكنة سريّة تُحفظ فيها الأسلحة والأشياء الثمينة والتحف القيّمة.. تغريني هذه العمارة التي تتبدى في غلالة من غموض يأسر القلب ويطلق سراح المخيّلة.
لا أجد إلّا السيف المزخرف المعلّق على الحائط.. وقد قيل لي قبلاً إنّه من الصعب أن يخلو بيت يمني من سيف يُترجم اعتزاز أهل اليمن بتراث تفوّقهم في صناعة السيوف وزخرفتها، وأنّهم يتمسكون بما يُروى عن طلب خالد بن الوليد السيف اليمانيّ العتيق الصلب يوم غزوة “مؤتة” بعد أن تكسّرت في يده تسعة سيوف، ويحرص العريس اليمنيّ على أن يتحلّى بالسيف يوم زفافه.
ينتشلني من أفكاري وقوف السيّدتين تأهّباً للمغادرة..
مرّ الوقت بسرعة، واستراحتنا انتهتْ..
“الله معكم”.. نغادر أم عبد الله الطيّبة.. لتتلقفنا مجدداً صنعاء القديمة

• من كتاب في ظلال بلقيس

التعليقات

التعليقات مغلقة.