Loading...

نخب الحكم في اليمن و إزاحات الدم!

كتب : السبت 07-06-2014 17:00
محمد عبد الوهاب الشيباني

نخب الحكم في اليمن و إزاحات الدم!

محمد عبد الوهاب الشيباني

لم تشهد اليمن شمالا وجنوبا على مدى نصف قرن فترات استقرار نسبي الا بما يعد بأصابع اليدين من السنوات ، التي لم تخل كل واحدة منها من  احتقانات ، كانت تمهد في كل مرة لانفجارات تالية هنا وهناك.

سنوات الاقتتال الخمس بين الجمهوريين والملكيين  في الشمال بين عامي 62 و67 ، افضت الى احداث اغسطس 1968 ، التي دفعت فيها القوى الجديدة  ثمنا غالياً من مكتسباتها السياسية ومخزونها البشري ، مكنت  القوى التقليدية من تسلم  السلطة وادارة البلاد بمشروع  تصفوي لخط الثورة ، ومهدت لذلك بالانقلاب على الرئيس عبد الله السلال في 5 نوفمبر1967،مستفيدة بدرجة رئيسية من تراجع الدور المصري في اليمن اثر نكسة 67.

المشروع التصفوي ذاته  حاول التمدد جنوباً بافتعال اول الحروب (الشطرية)  بين الشمال والجنوب في عام 1972،التي لم تضع اوزارها الا وكانت المناطق الحدودية الوادعة  قد تحولت الى خطوط تماس ملتهبة ، لم تستكن على مدى يزيد عن عقد من الزمن ، ومثلت حرب الشطرين الثانية في 1979 ذروتها. ولكن قبل هذا التاريخ سيتم التخلص الدموي  اولا من الرئيس ابراهيم الحمدي في اكتوبر 1977 بأدوات مراكز النفوذ المتضررة من مشروع الدولة الذي حاول الحمدي بنائه ، وبعد ثمانية اشهر سيتم التخلص من الرئيس احمد الغشمي ـ المتهم الرئيس بتصفية الحمدي ـ اشارت اصابع الاتهام في تصفيته لأطراف جنوبية ـ

حركة اكتوبر الناصرية في العام 1978ـ  التي اعقبت حركة التمرد العسكري التي قادها الرائد عبد الله عبد العالم ضد نظام الغشمي وعرف حينها بأحداث الحجرية ـ هدفت الى اسقاط نظام علي عبد الله صالح ،غير ان الحركة دفعت ثمنا ذلك أهم رجالاتها ، واكثرهم نظافة في ابشع عملية تنكيل بالخصوم السياسيين من قبل النظام .

اما في الجنوب ، فقد افضت سنوات الكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني بين 63و 1967 الى اول مشروع ازاحي بالعنف حين استطاع الجناح المسلح في الجبهة القومية  ابعاد خصومه من جبهة التحرير في ثلاث جولات من  الاقتتال في شوارع عدن، بعد لحظة الدمج  القسري بين الكيانين في يناير 1966، وابعادهم من أي تنافس على مواقع الحكم في السلطة الوليدة التي ستفرزها تالياً لحظة الاستقلال من الحكم البريطاني  في نوفمبر من العام 1967.

(الحركة التصحيحية الاولى) في 22يونيو 1969 ادت الى  ازاحة الرئيس قحطان الشعبي ، والعناصر القريبة منه من مواقع السلطة العليا  ، وتشكيل مجلس رئاسة  من خمسة اشخاص اثنان منهم حسبا على اتجاه اليمين هما محمد علي هيثم ومحمد صالح العولقي ، الذين ستتم ازاحتهما تباعا في اقل من عامين ، وتمكن الاتجاه اليساري من السيطرة الناجزة على منظومة الحكم.

في 26 يونيو 78 19ستكون المحطة الازاحية  الثانية  لرئيس دولة  ذا حضور شعبي استثنائي  وهو الرئيس سالم ربيع علي (سالمين)، بعدما اتهم  بممارسة سلطة انفرادية ووقوفه حجرة عثرة امام تشكيل حزب طليعي (يظم كل فصائل اليسار) ، والذي ستعلن ولادته بعد  اقل من اربعة اشهر من تصفية سالمين وتحديدا في اكتوبر  1978 تحت مسمى الحزب الاشتراكي اليمني) ، بعد ان مهدت كل الظروف لمؤسسه ومنظره عبد الفتاح اسماعيل لتسنم الموقع القيادي الاول في (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) لأقل من عامين ، لتشكل ازاحته في ابريل 1980 محطة جديدة من التخلص من الرؤساء ، وان كانت باقل الخسائر فعوضا عن السجن او القتل تم نفيه الى (موسكو).

الرئيس علي ناصر محمد الذي سيكدس كل مواقع السلطة في الحزب والدولة في قبضتيه لتشكل ازاحته من هذه المواقع اقسى عملية سيشهدها الجنوب في 13 يناير 1986، التي ستشكل احداثها الشرخ المهول في بنية المجتمع والدولة ، ومن جراء هذه الازاحة سيتضرر الالوف من العسكريين والسياسيين الذين سينزحون الى الشمال ليشكلوا القنبلة الموقوتة لأي صراع قادم ،وهو ما سيكون عليه الامر فعلا في حرب صيف 1994 حين شكلوا الطرف الوازن في معادلة الحرب  وقاعدة تحالفاتها التي ستُكون هذه المرة الازاحة الاكبر لشريك الوحدة (الحزب الاشتراكي) بما يمثله من مخزون بشري وكادر اداري وعسكري وجد نفسه ـ هذا الكادر ـ  بين ليلة وضحاها في الشارع جراء هذه الجائحة .

الطرف المنتصر ـ الذي تكثف في شخص الحاكم ـ  ظن ان امر الاستئثار بالسلطة وادارة البلاد بمبدأ التزاوج بين المال والسياسة  ،وتشبيكات المصالح ،وقبل هذا وذاك بمبدأ تفكيك نسج المجتمع واظهاره كمجموعة من العصبويات المتنافرة ، وتشجيع المجاميع الدينية المتعصبة بإذكاء مزاج العنف في خطابها هي اللعبة المستدامة والقادرة على ادامة حكمه وتوريثه ايضاً.

لم تدم الغيبوبة طويلاً اذ سيصحو المجتمع برمته على تداعيات القضية الجنوبية الذي تعامل النظام مع جذورها بتعالٍ اخرق، وعلى مضاعفات حروب صعدة  ـ التي نظن انها نتاج لعب النظام القاتل على موضوع  التعليم الديني من اجل ضرب الخصوم ببعضهم ـ وعلى النتائج الكارثية للعب بورقة القاعدة التي تربت في اقبية الاجهزة من اجل ابتزاز الجميع في الداخل والخارج.

الانحدارات الاقتصادية المتعاقبة ومساسها المباشر بأقوات الناس واستشراء الفساد وتحوله الى( قيمة وضرورة حياة ) في المجتمع ، وانعدام الامن ستقود الى الانفجار الكبير في الشارع  كلحظة نادرة للاحتجاج السلمي في 2011، وحدها اجنحة السلطة المنقسمة  على نفسها ستكون المستفيدة  من ذلك ، وعلى ضوئه ستنجز لعبة ازاحة لرأس الحكم  ـ دون نظامه ـ  الذي لم يزل يتلبس حياتنا مثل الجلد.

الازاحة التي تمت لرأس الحكم وحليفها الاهم ،  لم تكن (دموية كاملة) ، لكنها عززت من حضور قاعدة نخب الحكم الذهبية ، في ادامة السلطة فيها من خلال ازاحة خصومها ، الذين كانوا ذات وقت اقرب اليهم من خلجات الانفاس.

ترى كيف سيكون شكل الازاحة القادم وباي الادوات ؟؟

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لاضافة تعليق.